{وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}
{كِسْفاً .. } [الطور: 44] جمع كسفة، وهي القطعة العظيمة من السحاب، ومعنى {مَّرْكُومٌ} [الطور: 44] يعني: مجموع بعضه فوق بعض، كما قال تعالى في موضع آخر:
{ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ .. } [النور: 43] .
انظر كيف تخدعهم الظواهر الكونية، حيث يظنونها نعمة فإذا بها نقمة وعذاب، فحينما يروْنَ قطع السحاب تمرّ بهم يظنون أنها تحمل المطر والخير، فإذا بها تسقط عليهم عذاباً.
وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا .. } [الأحقاف: 24] أي: سحاب يسقينا
{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ .. } [الأحقاف: 24 - 25] .
وهذا يقول الحق سبحانه:
{فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ ... } .
{فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}
{فَذَرْهُمْ .. } [الطور: 45] دعْهم واتركهم، والمعنى أنه لا فائدة منهم ولا أملَ فيهم، فاتركهم ولا تُحمل نفسك في سبيل هدايتهم ما لا تطيق، وقد خاطبه ربه بقوله:
{فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ .. } [النحل: 82] .
إذن: فاتركهم {حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45] أي: تصيبهم الصاعقة والهلاك، والمراد يوم القيامة، ثم يزيد هذا اليوم بياناً فيقول: {يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً .. } [الطور: 46] أي: كيدهم لرسول الله وتآمرهم عليه.
{وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الطور: 46] ليس لهم ناصر من الله ولا دافع يدفع عنهم العذاب، لأن الأمر لله وحده في هذا اليوم.
{وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}
المراد هنا كفار مكة، لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وحرموها من نعمة تدوم في الآخرة إنْ هم آمنوا، كما قال تعالى:
{وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118] فهؤلاء لهم {عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ .. } [الطور: 47] أي قبل عذاب الآخرة سيلحق بهم العذاب في الدنيا {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون} [الطور: 47] .