وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة النجم
{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) }
أي: تغشاها أمور عظيمة مبهم أمرها في الجلال والكثرة، قال الزمخشري: وقد علم بهذه العبارة أن يغاشها من الخلائق الدالة على عظمة الله، وجلاله أشياء لا يكتنهها النعت، ولا يحيط بها الوصف.
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) }
وانظر قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) }
تجد التوكيد بضمير الفصل في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} ؛ لأنه يظن أن الناس يضحكون، ويبكون بالبناء للمعلوم، أي يسرون غيرهم ويحزنونهم، فأكد اختصاصه - سبحانه - بذلك ليبطل أن يكون لغيره سبحانه فاعلية في شئون عباده حتى الإضحاك والإبكاء، وهي أقرب الأفعال إلى أن تكون مظنة للشركة، وجاء بالضمير أيضا في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} ؛ لأنه قد يظن أن الإنسان يميت بالقتل أو يحيي بالقوت، هذا ما يفهم من كلام العلوي، ولا يبعدي عندي أن يكون للرد على من ينكرون الإحياء بعد الإماتة، ثم لم يأت بالضمير في الآية التي بعدها؛ لأن خلق الإنسان مما لا تظن الشركة مع الله في فعله، ثم إن المعاندين أنفسهم لم يتشددوا في إنكار مخلوقيتهم لله؛ لأنهم يقولون في السماوات والأرض: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ؛ وأكد في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} ؛ لأنه مما يظن فيه الشركة، وذلك واضح، فقد يعتقد الإنسان أنه يقني غيره، أو أنه يقني نفسه، فاستأصل ذلك ليقرر في الضمير أن العطاء، والمنع في قبضة واحد لا شريك له، وبذلك لا يتطلع المسلم إلا إلى السماء، هذا معنى لو تأملت آثاره في تكوين الذات لوجدته كبيرا جدا، ومعنى أقنى: أعطى القنية وهي
-كما يقول الزمخشري:"المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك"، ثم أكد: {هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} ؛ لأن خزاعة كانت تعبدها، فأكد بربوبيتها له سبحانه، وقال: رب الشعرى ولم يقل: إله الشعرى؛ لأن الربوبية فيها إشارة إلى أنها مخلوقة له سبحانه، فكيف تعبد من دونه؟ ثم قال: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا} من غير تقرير؛ لأن استئصال قوم مما لا تظن فيه الشركة، وهكذا نجد نبرة التوكيد تعلو، وتهبط في مراقبة دقيقة، وبالغة لمواقع المعاني في النفوس، وما تنطوي عليه دواخلها، وسبحان المحيط بالأسرار.
واضح أن مراعاة هذه الأحوال الثلاثة في صياغة الجملة، أعني عدم التوكيد لخالي الذهن، والتوكيد للمتردد، والمنكر حسب إنكاره - أمر يجري على الأصل، ويوافق ما يقتضيه ظاهر حال المخاطب، والبلاغيون يسمون الأول الضرب الابتدائي، والثاني الطلبي والثالث الإنكاري، ومناسبة التسمية واضحة؛ لأنك في الأول تبتدئ به المعنى في النفس، والثاني تواجه تددا، وكأن النفس طالبة للخبر والثالث تواجه به إنكارًا.
وقد يجري الكلام على خلاف الظاهر من حال المخاطب أي أن المتكلم لا يعتد بهذا الواقع في صياغته، وإنما يجري على أمور اعتبارية تنزيلية يلحظها هو، ويعتبرها مقامات يصوغ عبارته على مقتضاها، وذلك موطن دقيق، لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا ذكي النفس دقيق الحس واسع الخيال. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...