{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) }
فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق وأفصح عبارة.
يقول تعالى هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟
فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق.
ولو مر رجل بأرض قفر لا بناء فيها ثم مر بها فرأى فيها بنيانا وقصورا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك ولا ريب أن صانعا صنعها وبانيًا بناها.
ثم قال {أم هم الخالقون} وهذا أيضا من المستحيل أن يكون العبد موجدا خالقا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة ولا أصبعا ولا ظفرا ولا شعرة كيف يكون خالقا لنفسه في حال عدمه؟!!
وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقا خلقهم وفاطرا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر فكيف يشركون به إلها غيره وهو وحده الخالق لهم.
فإن قيل فما موقع قوله {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}
من هذه الحجة قيل أحسن موقع فإنه بين بالقسمين الأولين أن لهم خالقا وفاطرا وأنهم مخلوقون وبين بالقسم الثالث أنهم بعد أن وجدوا وخلقوا فهم عاجزون غير خالقين فإنهم لم يخلقوا نفوسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض وأن الواحد القهار الذي لا إله غيره ولا رب سواه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، فهو المتفرد بخلق المسكن والساكن، بخلق العالم العلوي والسفلي وما فيه.