ومن لطائف ونكات تفسير السمعاني:
سورة النجم
قَوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) }
«فإنْ قيلَ» : مَا معنى قَوْله: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} و (أَو) كلمة تشكيك، وَلَا يجوز الشَّك على الله تَعَالَى؟
وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْوَاو، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: فَكَانَ مِنْهُ أدنى من قاب قوسين، وَأَيْضًا فقد قَالَ: {قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} وَأي معنى لذكر القوسين هَاهُنَا وتخصيصهما بِالذكر، وَقد كَانَ يُمكنهُ تمثيله وتشبيهه بِشَيْء وَاحِد غير الْقوس فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر القوسين؟ وَالْجَوَاب: أَن الْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب على مَا كَانُوا يتخاطبون بِهِ، وَيفهم بَعضهم من بعض، فعلى هَذَا نزلت الْآيَة، إِنَّكُم لَو رَأَيْتُمُوهُ لقلتم إِن الْقرب الَّذِي بَينهمَا قاب قوسين أَو أدنى أَو أنقص، وَقيل: أَزِيد أَو أنقص، وَأما ذكر الْقوس فَهُوَ على مَا كَانُوا يعتادونه، وَقرب الْقوس من الْوتر مَعْلُوم. وَيُقَال: إِن القوسين هَاهُنَا بِمَعْنى الْقوس الْوَاحِد، وَقد ذكرنَا أَن الشَّيْء الْوَاحِد يذكر بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ القوسان على الْحَقِيقَة، وَهُوَ غير مستنكر فِي لُغَة الْعَرَب، وَلَا يستبعد.
قَوْله تَعَالَى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى}
«فَإِن قَالَ قَائِل» : الْمُؤْمِنُونَ يرونه بفؤادهم، وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا الْعلم بِهِ، فَمَا معنى تَخْصِيص النَّبِي؟
وَالْجَوَاب: أَنهم قَالُوا: إِن الله تَعَالَى خلق رُؤْيَة لفؤاده، فَرَأى بفؤاده مثل مَا يرى الْإِنْسَان بِعَيْنِه.
وعَلى القَوْل الأول الرُّؤْيَة منصرفة إِلَى جِبْرِيل.
قَوْله تَعَالَى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) }
«فإنْ قيلَ» : قد كَانَ رَآهُ كثيرا، فَمَا معنى {نزلة أُخْرَى} ؟
وَالْجَوَاب: أَنه لم ير جِبْرِيل فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا إِلَّا مرَّتَيْنِ: مرّة بالأفق الْأَعْلَى، وَكَانَ ذَلِك عِنْد ابْتِدَاء الْوَحْي.
وَقَالَ أهل الْمعَانِي: كَانَ ذَلِك شبه آيَة أَرَاهَا النَّبِي ليعلم أَنه من الله.
والمرة الثَّانِيَة رَآهُ عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى لَيْلَة الْمِعْرَاج كَمَا قَالَ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى}
«فإنْ قيلَ» : كَيفَ تجوز الرُّؤْيَة على الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا؟