{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) } )
هذا أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء إلى الله ومتابعة نشر الرسالة، ثم قال مؤنساً له: {فما أنت} بإنعام الله عليك أو لطفه بك {بكاهن ولا مجنون} . وكانت العرب قد عهدت ملابسة الجن والإنس بهذين الوجهين، فنسبت محمداً صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فنفى الله تعالى عنه ذلك.
وقوله تعالى: {أم يقولون شاعر} الآية، روي أن قريشاً اجتمعت في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد صلى الله عليه وسلم حتى قال قائل منهم: {تربصوا به ريب المنون} فإنه شاعر سيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى وغيرهم، فافترقوا على هذه المقالة فنزلت الآية في ذلك، والتربص: الانتظار ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوماً أو يموت حليلها
وأنشد الطبري: [الطويل]
لعلها سيهلك عنها زوجها أو ستجنح ... وقوله تعالى: {قل تربصوا} وعيد في صيغة أمر، و: {المنون} من أسماء الموت، وبه فسر ابن عباس، ومن أسماء الدهر أيضاً، وبه فسر مجاهد وقال الأصمعي: {المنون} واحد لا جمع له وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له.
قال القاضي أبو محمد: والريب هنا: الحوادث والمصائب، لأنها تريب من نزلت به ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ابنته فاطمة حين ذكر أن علياً يتزوج بنت أبي جهل:"إنما فاطمة بضعة مني، يريبني ما أرابها". يقال أراب وراب، ومنه: [الطويل]
فقد رابني منها الغداة سفورها ... وقوله الآخر: [المتقارب]