قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}
قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص.
والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجنّ والإنس إلا ليوحدون.
قال القشيريّ: والآية دخلها التخصيص على القطع؛ لأن المجانين والصبيان ما أمروا بالعبادة حتى يقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس} [الأعراف: 179] ومن خُلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، فالآية محمولة على المؤمنين منهم؛ وهو كقوله تعالى: {قَالَتِ الأعراب آمَنَّا} [الحجرات: 14] وإنما قال فريق منهم.
ذكره الضحاك والكلبي والفرّاء والقتبي.
وفي قراءة عبد الله: {وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس مِنَ المؤمنين إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} وقال عليّ رضي الله عنه: أي وما خلقت الجنّ والإنس إلا لآمرهم بالعبادة.
واعتمد الزجاج على هذا القول، ويدل عليه قوله تعالى: {وَمَآ أمروا إِلاَّ ليعبدوا إلها وَاحِداً} [التوبة: 31] .
فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل: قد تذللوا لقضائه عليهم؛ لأن قضاءه جارٍ عليهم لا يقدرون على الامتناع منه، وإنما خالفهم من كفر في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه.
وقيل: {إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعاً أو كرهاً؛ رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس.
فالكره ما يُرَى فيهم من أثر الصنعة.
مجاهد: إلا ليعرفوني.
الثعلبي: وهذا قول حسن؛ لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده.