ولما ذكر الله تعالى أن الجزاء على الأعمال كائن بقوله: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} ذكر جزاء أهل النار، ثم أعلم ما لأهل الجنة عنده من الجزاء بقوله تعالى:
15، 16 - {إِنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} قال ابن عباس، والمفسرون: ما أعطاهم من الخير والكرامة. وانتصابه على الحال، والعامل فيه ما يقدر مع الجار في خبر إن؛ لأن المعنى: يستقرون في جنات.
ثم أثنى عليهم فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} يعني في الدنيا. قال مقاتل: كانوا قبل ذلك الثواب محسنين في أعمالهم.
17 -ثم ذكر إحسانهم فقال: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} والهجع معناه النوم بالليل دون النهار، ومنه يقال: لقيته بعد هجعة. أي بعد نومه من الليل. وكثر الاختلاف في تقدير هذه الآية. وتفسيرها أن (ما) صلة والمعني كانوا يهجعون قليلاً من الليل. أي: لا ينامون بالليل كله ولا كثيره، بل يصلون أكثر الليل. وعلى هذا التأويل قال عطاء: ذاك إذا أمروا بقيام الليل، فكان أبو ذر يأخذ العصا ويعتمد عليها حتى نزلت الرخصة. ويجوز على هذا التأويل معنى آخر، وهو أن يكون الليل اسم الجنس، والمعنى الذي ينامون فيه قليلاً. وهو معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: كانوا قل ليلة تمر بهم الأصلوا فيها.
وقال مطرف بن الشِّخِّير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها.
وقال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل. ووجه آخر وهو الوقف علي قوله: (قَلِيلاً) ثم ابتدأ فقال: {مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} وهذا على نفي النوم عنهم البتة. وهو قول مقاتل والضحاك قالا: كانوا قليلاً. وعلى هذا القول عطاء عن ابن عباس: المراد بهؤلاء القليل ثمانون من نصارى نجران والشام. آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وصدقوه فذكرهم الله في غير موضع من القرآن. وذكر وجهان آخران.