ومن لطائف ونكات الإتقان في علوم القرآن للسيوطي:
سورة الذاريات
{فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) }
أقسم سبحانه وتعالى بقسم يوجب الفخر لتضمّنه التمدّح بأعظم قدرة، وأجل عظمة.
{لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر: 72] أقسم سبحانه وتعالى بحياة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم تعظيما لشأنه، وتنويها بقدره. وسيأتي في نوع الأقسام أشياء تتعلق بذلك.
وعن بعض الأعراب أنه لمّا سمع قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الذاريات: 22، 23] . صرخ وقال: من ذا الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين؟.
ولا يكون القسم إلّا باسم معظّم، وقد أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن في سبعة مواضع:
الآية المذكورة بقوله: {قُلْ إِي وَرَبِّي} [يونس: 53] . {قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن: 7] . {فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} [مريم: 68] . {فَوَ رَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) } [الحجر: 92] . {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] . {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [المعارج: 40] .
والباقي كله قسم بمخلوقاته، كقوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) } . {وَالصَّافَّاتِ} .
{وَالشَّمْسِ} . {وَاللَّيْلِ} . {وَالضُّحى (1) } . {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) } [التكوير: 15] .
فإن قيل: كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير الله؟
قلنا: أجيب عنه بأوجه:
أحدها: أنه على حذف مضاف، أي: وربّ التين وربّ الشمس وكذا الباقي.
الثاني: أنّ العرب كانت تعظّم هذه الأشياء، وتقسم بها، فنزل القرآن على ما يعرفون.