ومن لطائف ونكات تفسير الخطيب الشربيني:
سورة الذاريات
{فَالْحَامِلاَتِ وِقْراً}
«فَإِنْ قِيلَ» : إن كان وقراً مفعولاً فلم لم يجمع؟
وقيل: أوقاراً أجيب بأن جماعة من الرياح قد تحمل وقراً واحداً وكذا القول في المقسمات أمراً إذا قيل إنه مفعول به لأنّ جماعة من الملائكة قد تجتمع على أمر واحد.
(فائدة)
أقسم الله تعالى بجمع السلامة المؤنث في خمس سور ولم يقسم بجمع السلامة المذكر في سورة أصلاً فلم يقل والصالحين من عبادي ولا المقربين إلى غير ذلك مع أنَّ المذكر أشرف لأن جموع السلامة بالواو والنون في الغالب لمن يعقل.
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ}
أي الذين كانت التقوى لهم وصفاً ثابتاً {فِي جَنَّاتِ} أي بساتين عظيمة تجن داخلها أي تستره من كثرة ظلالها لكثرة أشجارها وعظمها {وَعُيُونٍ} جارية في خلال الجنان.
(تنبيه)
المتقي له مقامات أدناها أن يتقي الشرك وأعلاها أن يتقي الدنيا والآخرة، وأدنى درجات المتقي الجنة فما من مكلف اجتنب الكفر إلا ويدخل الجنة.
قوله تعالى: {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ}
أي المحسن إليهم المدبر لهم بتمام علمه وشامل قدرته إن كان مما في الجنة فتكون حالاً حقيقية وإن كان مما آتاهم من أمره ونهيه في الدنيا فتكون حالاً محكية لاختلاف الزمانين.
(تنبيه)
اعلم أن الله تعالى وحد الجنة تارة قال تعالى: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ} (الرعد: 35)
وأخرى جمعها كقوله تعالى هنا: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ} وتارة ثناها قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن: 46)
والحكمة فيه أنَّ الجنة في توحيدها لاتصال المنازل والأشجار والأنهار كجنة واحدة، وأما جمعها فإنها بالنسبة إلى الدنيا وبالإضافة إليها جنات لا يحصرها عدد وأما تثنيتها فسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى في سورة الرحمن وهو قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن: 46)