{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}
قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ .. } [الذاريات: 15] (إن) تفيد توكيد الكلام، و (المتقين) جمع المتقي، والتقوى كما قلنا أنْ تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، لذلك نجد القرآن يقول مرة:
{وَاتَّقُواْ اللَّهَ .. } [الحشر: 18] ومرة يقول {وَاتَّقُواْ النَّارَ .. } [آل عمران: 131] .
والمراد: الزموا طاعة الله، وتجنّبوا معصيته وأسباب عذابه، لأن لله تعالى صفات جمال وصفات جلال، والتقوى أنْ تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية من صفات الجلال التي تزجر المخالف وترده عن الشر.
فمن صفات الجمال أن خلق لنا ما ننتفع به في الدنيا، ومن ذلك النار
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ} [الواقعة: 71 - 72] .
لكن هذه النار التي تنتفعون بها في الدنيا وتُعد نعمة من نعم الله عليكم احذروها في الآخرة، لأنها ستكون أداة تعذيب، ستكون جنداً من جند الله لقهر المخالفين، فاتقوها. إذن: المعنى واحد: اتقوا الله، واتقوا النار.
وتلاحظ هنا أن {الْمُتَّقِينَ .. } [الذاريات: 15] في زمان التكليف وهي جمع و {جَنَّاتٍ .. } [الذاريات: 15] في زمن الجزاء وهي جمع، وكذلك {وَعُيُونٍ} [الذرايات: 15] فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إن لكل مُتّق جنة وعيناً تجري خلالها، نعم جنة خاصة به، لأن القاعدة إذا قُوبل الجمع بالجَمع اقتضى القسمةَ آحاداً.
كما يقول المدرس مثلاً للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمراد أنْ يُخرجَ كلّ منهم كتابه، لكن نجد في سورة (الرحمن) يقول سبحانه:
{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] .
فكيف نجمع ونُوفِّق بين الآيتين؟ قالوا: لأن سورة الرحمن جاء الخطاب فيها للثقلين الجن والإنس، فالمعنى: ولمَنْ خاف مقام ربه من الإنس أو الجن جنة، جنة للإنس وجنة للجن.
أو أن المعنى: له جنتان بالفعل، وسبق أنْ أوضحنا أن الحق سبحانه خلق الجنة على فرض أنْ يؤمن جميعُ البشر، وخلق النار كذلك تكفي للبشر جميعاً إنْ لم يؤمنوا.
وقلنا: هناك لا توجد أزمة مساكن، فإذا دخل أهلُ النار النارَ فرغتْ أماكنهم في الجنة فورثها المتقون، فكأنه أخذ جنته وجنة الكافر الذي تركها، وذهب إلى النار.