(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) }
وَالْمَعْنَى: اسْتَمِعْ حَدِيثَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَالْمُنَادِي: إِسْرَافِيلُ, يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى الْحِسَابِ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا لِفَصْلِ الْقَضَاءِ.
وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ الأَخِيرَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} الْمَكَانُ الْقَرِيبُ هُوَ الصَّخْرَةُ. قَالَ كَعْبٌ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ أَقْرَبُ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلا. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: بِاثْنَيْ عَشَرَ مِيلا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيُقَالُ: إِنَّ تِلْكَ الصَّخْرَةِ فِي وَسَطِ الأَرْضِ.
(سَجْعٌ)
يَا مَنْ يُدعى إِلَى نَجَاتِهِ فَلا يُجِيبُ, يَا مَنْ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَخْسَرَ وَيَخِيبَ, إِنَّ أَمْرَكَ طَرِيفٌ وَحَالَكَ عَجِيبٌ, اذْكُرْ فِي زَمَانِ رَاحَتِكَ سَاعَةَ الْوَجِيبِ {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} .
وَيْحَكَ إِنَّ الْحَقَّ حَاضِرٌ مَا يَغِيبُ, تُحْصَى عَلَيْكَ أَعْمَالُ الطُّلُوعِ وَأَفْعَالُ الْمَغِيبِ, ضَاعَتِ الرِّيَاضَةُ فِي غَيْرِ نَجِيبٍ سِيمَاكَ تَدُلُّ وَمَا يَخْفَى المريب اسمع لا بُدَّ لِغِرْبَانِ الْفِرَاقِ مِنْ نَعِيبِ, أَنُسَاكِنُ الْغَفْلَةَ وَلِغَيْرِنَا نَعِيبُ, يَا مَنْ سِلَعُهُ كُلُّهَا مَعِيبُ, اذْكُرْ يَوْمَ الْفَزَعِ وَالتَّأْنِيبِ {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} .
لا بُدَّ وَاللَّهِ مِنْ فِرَاقِ الْعَيْشِ الرَّطِيبِ, وَالْتِحَافِ الْبِلَى مَكَانَ الطِّيبِ, وَاعَجَبًا لِلَذَّاتٍ بَعْدَ
هَذَا كَيْفَ تَطِيبُ, وَيْحَكَ أَحْضِرْ قَلْبَكَ لِوَعْظِ الخطيب {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} .