(فصل)
قال بهاء الدين العاملي:
قال بعض الزهاد لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
وقال آخر ما غمني إلا طلوع الفجر.
(الفرق بين الرجاء والأمنية)
من كلام الغزالي الفرق بين الرجاء والأمنية أن الرجاء يكون على أصل، والتمني لا يكون على أصل، مثاله من زرع واجتهد وجمع ببدراً ثم يقول أرجو أن يحصل منه مائة قفيز فذلك منه رجاء. وآخر لا يزرع زرعاً ولا يعمل يوماً، قد ذهب ونام وأغفل سنة فإذا جاء وقت البيادر يقول أرجو أن يحصل لي مائة قفيز، فقال من أين لك هذه الأمنية التي لا أصل لها؟ فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة الله تعالى وانتهى عن معاصيه يقول: أرجو أن يتقبلا الله هذا اليسير، ويتم هذا التقصير ويعظم الثواب، فهذا رجاء منه، وأما إذا غفل وترك الطاعات وارتكب المعاصي، ولم يبال بسخط الله ورضاه، ووعده وعيده.
ثم أخذ يقول: أرجو من الله الجنة والنجاة من النار، فذلك منه أمنية لا حاصل لها وسماها رجاء وحسن ظن، خطأ منه وجهلاً.
قال بعضهم: رأيت أبا ميسرة العابد وقد بدت أضلاعه من الاجتهاد، فقلت يرحمك الله إن رحمة الله واسعة، فغضب وقال: هل رأيت ما يدل على القنوط؟ إن رحمة الله قريب من المحسنين، فأبكاني والله كلامه.
ولينظر العاقل إلى حال الرسل والأبدال والأولياء واجتهادهم في الطاعات، وصرفهم العمر في العبادات لا يفترون عنها ليلاً ولا نهاراً، أما كان لهم حسن ظن بالله؟ بلى والله إنهم كانوا أعلم بسعة رحمة الله وأحسن ظناً بجوده من كل ظان، ولكن علموا أن ذلك بدون الجد والاجتهاد، أمنية محضة، وغرور بحت، فأجهدوا أنفسهم في العبادة والطاعة، ليتحقق لهم الرجاء الذي هو من أحسن البضاعة.
(لطيفة)
كان بعض أهل الكمال يقول: إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت، وأقول أخلوا بربي، وإذا رأيت الصبح قريباً استوحشت كراهة لقاء من يشغلني عن ربي.
قال هرم بن حيان: أتيت أويس القرني، فقال لي: ما جاء بك فقلت: جئت لآنس بك فقال أويس: ما كنت أرى أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره.
قال رجل لسهل: أريد أن أصحبك فقال: إذا مات أحدنا فمن يصحبه الآخر، فليصحبه الآن.
قيل للفضيل: إن ابنك يقول: قد وددت أني في مكان أرى الناس ولا يروني فبكى الفضيل وقال: يا ويح ابني أفلا أتمها لا أراهم ولا يروني.
لله در من قال:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فطاب الأنس لي وصفى السرور
وأدبني الزمان فلا أبالي ... بأني لا أزار ولا أزور