وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ...(16)
هو يخرج على وجهين:
أحدهما: يقول: على علم منا بما تحدث به نفسه وتوسوس من أنواع الحديث والوسوسة، لا عن جهل وخفاء فعلنا ذلك، فإن هو كفَّها وحبسها عما تدعو به إليه نفسه وتهواه ويصرفها إلى ما يدعوه عقله وذهنه نجا وفاز؛ لقوله - تعالى: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) ، وقال: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)، وإن تركها حتى تمادى في هواها هلك؛ قال اللَّه - تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)، وقال في آية أخرى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) ، ونحوه كثير من القرآن.
والثاني: يذكر (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) . أي: نحن مطلعون على ذلك، ليس علم ذلك إلى الحفظة وهم يتولون كتابته؛ أي: لم يجعل ذلك إلى أحد، إنما ذلك إلى اللَّه - تعالى - هو العالم بذلك، وهو المطلع عليه دون الملائكة، وإنما إلى الملائكة ما يلفظه ويفعل بالجوارح؛ لقوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ، وقال في آية أخرى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) ، أخبر أن الحفظة إنما يعلمون ما يفعلون ظاهرًا، أما ما يسرون في قلوبهم فاللَّه هو المطلع على ذلك العالم؛ ليكونوا أبدًا على اليقظة والحذر، واللَّه أعلم.