وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة (ق)
{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) }
ليس من شك في أن صيغة الماضي ألقت على الأحداث طابع الحكاية المروية، وكأن كل ذلك قد وقع، وأنت الآن تسمع تلك القصة التي تملأ قبلك إشفاقا وخشية، هذا الأسلوب لا يدعك تفكر في إمكان وقوع الأحداث كما يكون الحال لو جاء بصيغة المضارع، وإنما يدعك تفكر في الأحداث، والمواقف نفسها لتتأمل ما فيها من رهبة، أو رغبة فمسألة الوقوع، وعدمه ألغاها الفعل الماضي حين صيرها واقعا يروى، ونقلها من الممكن الذي سيكون، والآيات فيها كثير من الإشارات، والخصائص الواقعة أحسن موقع.
انظر كيف بدأت طريق القيامة من أوله أي حين يقارب خطو الإنسان عتبة الآخرة بمجيء سكرة الموت بالحق، وانظر إلى كلمة: وجاءت سكرة الموت، ولفظ الماضي الذي لا يدع الخاطر يحوم في أفق الانتظار، وإنما يلج به قلب الحقيقة التي شملته وأحاطت به، وانظر إلى اسم الإشارة الذي يتردد في هذا السياق ليبرز الحقائق التي كانت تحيد عنها النفوس، وتأمل كلمة: {تحيد} في قوله: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ، تجدها تبلغ الغاية في الدقة وتصوير حال النفس التي لا تستطيع أن تحدق في الحقائق القاسية، كلمة: {تحيد} تصف.
الهروب من مواجهة الحقائق، وكلمة ذلك تضع الحقيقة شاخصة في مواجهة النفس الهاربة ...
وهذا الأسلوب لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا من مهر في سياسة الأساليب، وقلما تعثر عليه في كلام القوم الذين نزل فيهم القرآن؛ لأني لم أجده بهذه الغزارة وهذه الإصابة، وهذا السخاء، وهذا الزخم.
قال ابن الأثير:
"واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة، والبلاغة الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهما، وأغمضها طريقا". انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...