(فصل: كَيفَ يعرف الإنسان سَلَامَته من الآفات)
قال الحارث المحاسبي:
قلت أرى من النَّاس أَشْيَاء يعاب مثلهَا وأحب أن أسلم من التَّعْبِير والازدراء وَالْعَيْب فَلَا أدري أسلمت مِنْهُ نَفسِي أم لَا؟
فَقَالَ إِن الإنسان عِنْد معرفَة عيب نَفسه أبله، وَعند معرفَة عيب غَيره جهبيذ فيحتقر عيب أهل كل صناعَة وَأهل كل عمل من أعمال الدُّنْيَا والآخرة، ويحتقر عيب من هُوَ فِي مثل مرتبته ويستعظم ذَلِك من كل من رَآهُ مِنْهُ فَإِذا أتى على عيب نَفسه جازه إلى عيوبهم كَأَنَّهُ أعمى عَنهُ لم يره.
وَهُوَ يطْلب الْعذر لنَفسِهِ وَلَا يَطْلُبهُ لغيره فَهُوَ فِي طلب عذرها جهبيذ، وَفِي طلب عذر غَيرهَا أبله وَهُوَ يضمر عِنْد ذَلِك لصَاحبه مَا يكره أَن يضمر لَهُ غَيره لَو رأى مِنْهُ مثل ذَلِك الْعَيْب
فَإِذا رَأَيْت عَيْبا أَو زلَّة أَو عَثْرَة من غَيْرك فَاجْعَلْ نَفسك مَكَانَهُ ثمَّ انْظُر الَّذِي كنت تحب أن يستقبلك بِهِ لَو رأى مِنْك مثل الَّذِي رَأَيْت مِنْهُ، وأضمر ذَلِك لَهُ فِي نَفسك فَإِنَّهُ يحب مِنْك مثل مَا كنت تحبه مِنْهُ
وَهَكَذَا إِذا رَأَيْت مَا يستحسن فَأَرَدْت أن تعرف علم السَّلامَة من الْحَسَد لَهُ
وبالحري أَن يكون أخف النَّاس عَلَيْك عِنْد الزلة من يطْلب لزلتك عذرا ومخرجا فَإِذا لم يجد للْعُذْر موضعا سَاءَهُ ذَلِك وأخفى مَكَانَهُ وَعند حسنتك يسر فَإِن لم يسر لم تسؤه
فَهَكَذَا فَكُن لَهُم عِنْد الزلة وَعند الْحَسَنَة فَإِذا كنت كَذَلِك فَلَا تحب إِزَالَة نعْمَة أنعمها الله على أحد فِي دين وَلَا فِي دنيا، وَلَا تحب أَن يُقيم أحد على مَعْصِيّة الله تَعَالَى، وَلَا تحب أن يهْلك ستره عِنْد زلته فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك بقلبك زَالَ عَن قَلْبك الْحَسَد عَن الدّين وَالدُّنْيَا جَمِيعًا
وَمَتى غلبت عَلَيْك الْمُسَابقَة إلى ضميرك بِسوء الْمحْضر فَلَا تغلبن على مشاهدته بِحسن الْمُرَاجَعَة من جَمِيع أمورك. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...