ومن لطائف ونكات تفسير الخطيب الشربيني:
سورة الحجرات
«فَإِنْ قِيلَ» : ما الفائدة في (ولا تجهروا) بعد (لا ترفعوا) ؟.
أجيب: بأن المنع من رفع الصوت هو أن لا يجعل كلامه أو صوته أعلى من كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وصوته والنهي عن الجهر منع من المساواة. أي لا تجهروا له بالقول كما تجهرون لنظرائكم بل اجعلوا كلمته عليا.
قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
«فَإِنْ قِيلَ» : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فما فائدة قوله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَاكُم} ؟
أجيب: بأنَّ فائدته أنَّ كل شيء يترجح على غيره فإمّا أن يترجح بأمر فيه يلحقه ويرتب عليه بعد وجوده.
وإمّا أن يترجح عليه بأمر قبله فالذي بعده كالحسن والقوّة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء.
وأمّا الذي قبله فإما راجع إلى أصله الذي وجد فيه أو إلى الفاعل الذي أوجده، فالأول كقولك هذا من نحاس وهذا من فضة، والثاني كقولك هذا عمل فلان وهذا عمل فلان. فقال تعالى: لا ترجيح بالنسبة إلى فاعلكم لأنكم كلكم خلق الله تعالى فإن كان عناكم تفاوت فهو بأمور تحصل لكم بعد وجودكم وأشرفها التقوى.
«فَإِنْ قِيلَ» : التقوى من الأعمال والعلم أشرف لقوله صلى الله عليه وسلم
«لفقيه واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد» ؟
أجيب: بأنَّ التقوى ثمرة العلم لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28)
فلا تقوى إلا للعالم فالتقي العالم أثمر علمه، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمر لها، لكن الشجرة المثمرة أشرف من التي لا تثمر، بل هي حطب.
قال الحسن البصري: إنما الفقيه العامل بعلمه أي وهو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» ومن قوله عز من قائل {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9)