قوله تعالى: (لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)
وقرأ يعقوب والضحاك:"لَا تَقَدَّمُوا"أمر المؤمنين - جلَّ جلالُه - ألًا يتقدموا بأمر من عندهم أنفسهم ولا
قول حتى يكون الله - جل ذكره - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يقضي بما شاء الله، فيجب
على المؤمنين اتباعه، وذكر صفتي السمع والبصر إعلامًا منه بخفي المراقبة لشأنهم كله.
(فصل)
كان الصحابة - رضي الله عنهم - في حضرة واحدة مع نبيهم والله ربهم - جلَّ جلالُه - ينزل عليه القرآن
بين ظهرانيهم، فكيف يجوز لأحد التقدم على هذا، وحالتهم تلك بمنزلة وجود
النص المكشوف عند نزول الحادثة؟ فحرام العدول عن ذلك النص إلى قول قائل،
بل حالهم - رضي الله عنهم - أبين وأظهر جدّا.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ...(2) .
هذا الخطاب منتظم بما تقدم في سورة الفتح، وبما اتصل به من هذه السورة قبله من الأمر بالتعزيز له
والتوقير لشأنه كله، فعلمهم في هذا الخطاب كيف التعزير والتوقير، ولعظم شأنه
جعل العقوبة على خلافه حبط العمل، أي: إنه يستدرج المستخف بحقه، ثم يخذله
فيفارق إيمانه به فيحبط عمله وهو لا يشعر، وإنما يحس ألم الجراح الأحياء.
ولما كان بالإيمان به وبما جاء به من عند اللَّه تصحيح العمل بطاعة الله؛ فبقلة
التوقير له والتعظيم لأنه يجب إحباط العمل وإن لم يبلغ إلى الشرك والكفر، لكن
ذلك مخوف مواقعته مع التساهل وقلة المبالاة، وقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - فيما نقل عنه
بعد ذلك يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومما يخفض صوته لا يكاد يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
فكلمه رسول الله في ذلك، فقال - رضي الله عنه: والله يا رسول الله مَا أُكَلِّمُكَ إِلا [كَأَخِي] السِّرَارِ
منذ أنزلت سورة الحجرات.
أعقب ذلك بقوله - جل من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ