أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى ... (3) . الامتحان: التطهير والتنقية،
فالذهب والفضة يمتحنان من الشوائب بسواهما، يقول - عز وجل -: أمتحن قلوبهم: طهرها
وطيبها للتقوى (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) .
نظم بذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ (4) . كان وفد بني تميم قد جاءه، فوافق ذلك في وقت الظهيرة
وهو نائم، فنادوا من وراء حجراته اخرجْ إلينا يا محمد.
فذم الله فعلهم ذلك وعلمهم كيف الأدب بقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ...(5) . وعذرهم بالجهل فأرصد لهم المغفرة والرحمة.
ذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يختلف إلى زيد بن ثابت ليأخذ عنه، فربما
وجد الباب مرصدًا وزيد في الدار فيجلس عند الباب وربما نام لطول الانتظار
فتسفي الريح عليه الغبار، فيخرج زيد ويجده كذلك فيقول له: يا ابن عم رسول الله،
هلا أعلمتني بمكانك؟
وركب يومًا زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فأخذ عبد الله بن عباس بركابه، فقال له زيد في
ذلك، فقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس
وقبَّلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
فهذا فعل بعضهم ببعض بحكم التبعية، فكيف بهم معه، صلوات الله عليه
ورضوانه على جميعهم وجمعنا بهم ومعهم ببرد رحمته؟.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا
بِجَهَالَةٍ ... (6) . وفي قراءة ابن مسعود:"فَتَثَبَّتُوا"وفي هذا من الفقه أن خبر
الفاسق إذا تثبت فيه حتى يتبين بقول العدل فإنفاذ الحكم بقول العدلين واجب إلا
أن تتعارض الأخبار أو الشهادات فيلزم التثبت.
نظم بذلك قوله - عز وجل -: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ
الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ... (7) . أي: لو يطيع فيكم من لم تثبت عدالته لأعنتكم ذلك منه، أي: لشق عليكم