(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(سموّ أخلاق الخلفاء الراشدين)
قال البرقوقي:
ومما يُؤثَر في باب الخلق ما حدَّث به العُتبيُّ في إسناد ذكره قال: دعا طلحة بن عبيد الله أبا بكر وعمر وعثمانَ رَحْمةُ اللهِ عليهم، فأبطأَ الغلامُ - الخادم - عنه بشيءٍ أراده، فقال طلحةُ: يا غلام: فقال الغلام: لَبَّيك، فقال طلحةُ: لا لبَّيك؛ فقال أبو بكر: ما يسرُّني أنّي قُلتُها وأنّ ليَ الدُّنيا وما فيها، وقال عمر: ما يسرني أني قلتها وأنّ لي نِصفَ الدُّنيا، وقال عثمان: ما يسرّني أنّي قلتها وأن لي حُمْرَ النَّعَم.
قال العُتبيُّ: وصمت أبو محمد - هو طلحة - فلما خرجوا من عنده باع ضيعةً بخمسةَ عشَرَ ألفَ دِرْهم، فتصدَّق بثمنها ...
فَهَل رأيْتَ أو سَمِعْتَ بمثل هذا الأدب العُلْوي الرَّبانيِّ! وأنت إذا نظرْتَ إلى هذا الحديث من أيّ أقطاره رأيتَ أدباً باسقاً وخُلقاً سامياً! فهذا الصِّدِّيق رضي الله عنه يُنكر في كِياسَةٍ وأدبٍ قَوْلةَ أبي محمدٍ لغُلامه: لا لبَّيك، ثم يجيء بعده عمر فينكر هو الآخرُ إنكاراً لاحظَ فيه التأدَّب مع الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل عثمان مع عُمرَ، وأخيراً يكفِّر أبو محمد عن هذه البادرة بخمسةَ عشرَ ألفَ دِرْهم ... لا جرم لقد أدَّبهم المُصطفى صلوات الله عليه، الذي أدَّبه ربُّه فأحْسنَ تأديبَه.
(طلحة بن عبيد الله)
وهذا طلحةُ بن عبيد الله هو الصحابي الجليل أحدُ العشرة المبشَّرين بالجنة وأحدُ الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحدُ الخمسةِ الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد السِّتةِ أصحاب الشورى، وأحدُ أغنياء الصحابة، وأحدُ أجواد قريش، بل كان نبيَّ الجود، إن كان للجود نَبيٌّ ...
وقد كان يقال له: طلحةُ الفيّاض، وطلحة الجود، وطلحة الخير، ويقال إنه فرق في يوم سبعمائة ألف، باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبعمائة فحملها إليه، فبات ورُسُلُه تختلف بها في سكك المدينة حتى أسْحرَ وما عنده منها دِرهم! ويُروى أنّه وصل أعرابيّاً من أقاربه بثمانمائة ألف درهم؛ وكان لا يدعُ أحداً من بني تَيْمٍ عائِلاً إلا كفاه مؤنته ومؤنة عياله وزوَّج أياماهُمْ وأخْدمَ عائِلَهم وقضى دينَ غارمهم! وكان يرسل إلى السيدة عائشة إذا جاءت غَلّته كلَّ