ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة الحجرات
(إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه، فيه ما لا يخفى على الناظر من إكبار للنبي - صلى الله عليه وسلم وإجلال لمقامه.
ومن ذلك: مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفَه والجهلَ بسبب ما أقدموا عليه.
ومن ذلك: التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله مع بعض نسائه، والمرور على لفظها بالاقتصار على القدر الذي يظهر به موضع الاستنكار عليهم.
ومن ذلك: شفُع ذمهم باستجفائهم واستركاك عقولهم، وقلة ضبطهم لمواضع التمييز في المحاطبات، تهوينا للخطب، وتسلية له - صلى الله عليه وسلم - .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} .
أي: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء الحجرات، صبروا عليك حتى تخرج إليهم ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة الخالية من الأدب، لكان صبرهم خبرا لهم {والله} تعالى {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: واسع المغفرة والرحمة.
قال صاحب الكشاف: يحكى عن أبي عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال: ما دققت باب عالم قط، حتى يخرج في وقت خروجه.
وقوله: {أَنَّهُمْ صَبَرُواْ} في موضع رفع على الفاعلية، لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم.
«فإن قلت» : هل من فرق بين قوله {حتى تَخْرُجَ} وإلى أن تخرج؟
قلت: إن"حتى"مختصة بالغاية المضروبة، تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و"إلى"عامة في كل غاية، فقد أفادت"حتى"بوضعها: أن خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم غاية قد ضرب لصبرهم، فما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليه.
«فإن قلت» : فأي فائدة في قوله {إِلَيْهِمْ} ؟
قلت: فيه أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولأجلهم، للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(10)
قال صاحب الكشاف: