ثُمَّ ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ وَحِزْبَهُ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ لَهُ، وَمَدَحَهُمْ بِأَحْسَنِ الْمَدْحِ، وَذَكَرَ صِفَاتِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَكَانَ فِي هَذَا أَعْظَمُ الْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِمْ، لَا كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ عَنْهُمْ: إِنَّهُمْ مُتَغَلِّبُونَ طَالِبُو مُلْكٍ وَدُنْيَا، وَلِهَذَا لَمَّا رَآهُمْ نَصَارَى الشَّامِ وَشَاهَدُوا هَدْيَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ وَعَدْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَرَحْمَتَهُمْ وَزُهْدَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَرَغْبَتَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، قَالُوا: مَا الَّذِينَ صَحِبُوا الْمَسِيحَ بِأَفْضَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ. وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى أَعْرَفَ بِالصَّحَابَةِ وَفَضْلِهِمْ مِنَ الرَّافِضَةِ أَعْدَائِهِمْ، وَالرَّافِضَةُ تَصِفُهُمْ بِضِدِّ مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا، وَ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الْكَهْفِ: 17] .
(لطيفة)
تَأَمَّلْ كَيْفَ اشْتُقَّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَصْفِهِ اسْمَانِ مُطَابِقَانِ لِمَعْنَاهُ، وَهُمَا أَحْمَدُ وَمُحَمَّدٌ، فَهُوَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مُحَمَّدٌ، وَلِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا عَلَى صِفَاتِ غَيْرِهِ أَحْمَدُ، فَارْتَبَطَ الِاسْمُ بِالْمُسَمَّى ارْتِبَاطَ الرُّوحِ بِالْجَسَدِ.
(فائدة)
قوله تعالى: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}
فَمُغَايَظَةُ الْكُفَّارِ غَايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوَافَقَتُهُ فِيهَا مِنْ كَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ.
(فصل: فِي معنى اسْم النَّبِي [محمد] صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واشتقاقه)