{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}
الحق سبحانه وتعالى هنا يتكلم بصيغة الجمع (إنَّا) الدال على العظمة، ذلك لأن الله تعالى يزاول مُلكَه لا بصفة واحدة، إنما بصفات متعددة وكمالات شتى، في القدرة والعلم والحكمة وغيرها من صفاته سبحانه.
لكن حينما يتكلم عن ذاته سبحانه يتكلم بصيغة المفرد الواحد، فيقول مثلاً:
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَاْ .. } [طه: 14] ليثبت لنفسه تعالى الوحدانية، فإنْ تكلم عن فعل من أفعاله قال:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
ونلاحظ هنا أنه سبحانه أكد ضمير المتكلم (إنَّا) بقوله (نحن) ثم كرر الضمير في (نزلنا) وفي
{وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ذلك ليؤكد أهمية المنهج الذي جاء به القرآن، وأنه منهج سماوي من عنده سبحانه، وأنه مُعجز للخلق، وفي هذا بيان لفضل القرآن الكريم.
ومادة (فتح) تأتي بمعانٍ متعددة، نقول، فتح الباب. وهذا المعنى يدل على فتح المغاليق ويكون في الأمر الحسي، كما في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام:
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ .. } [يوسف: 65] .
وهناك فتح معنوي في الأمر الذي يأتي بالخير كما في قوله تعالى في المنافقين:
{أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ .. } [البقرة: 76] أي: ما أعطاكم في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في التوراة. وهناك فتح بمعنى: حكم وفصل كما في قوله تعالى:
{رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .
ومن معاني الفتح: النصر كما في الآية التي معنا، بدليل قوله تعالى بعدها:
{وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} [الفتح: 3] لأن الدعوة حين قامت، وعارضها كفار مكة وصَمُّوا آذانهم عنها وعاندوها استهزاءً برسول الله صلى الله عليه وسلم وإيلاماً له ولمَنْ آمن بدعوته.