كان الحال كأن الباب مغلق في وجه الدعوة، فقال الله له {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} [الفتح: 1] أي: فتح ظاهر واضح، فتح لباب انتشار الدعوة وقوتها بحيث يكون لها قوة وشوكة ومنعة، فبعد أنْ كانت قريش تحاصرها لتقضي عليها فتح لها الباب فجابت الجزيرة العربية كلها، وبعد أنْ كانت قريش تضيق على الدعوة الخناق أصبح العربُ كلهم يحتضنونها ويدافعون عنها.
وفي آية أخرى شرح لنا مسألة الفتح هذه، فقال سبحانه:
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ..} [الرعد: 41] يحكم بنصرة الإسلام وانتشاره في بقاع الأرض، وإذا حكم الله وقضى فلا رادَّ لقضائه، ولا مُعقبَ لحكمه
{مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ..} [فاطر: 2] وما دام أن الله فتح فلا يضرك أنْ يغلق البشر.
الفعل (فتح) يتعدى بنفسه في الفتح الحسيِّ نقول: فتح الباب ويتعدى باللام كما في {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ.} [الفتح: 1] أي: نصرناك ويتعدَّى بـ (على) في الأمور المعنوية، وفي الخيرات يسوقها الله إليك ويُنزلها عليك.
لذلك مشهور في الدعاء أن نقول: فتح الله عليك، كأن الخيرات ستنزل عليك كالمطر ينزل على رأسك، ومن ذلك قوله تعالى مع الفارق بين الحالين:
{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ..} [الأنعام: 44] يعني: أتيناهم بالخيرات من كل ناحية
{حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُواْ ..} [الأنعام: 44] أي: فرح البطر والتعالي
{فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95] .
لأنه كما سبق أنْ قلنا: إذا أردتَ أنْ تُوقع برجل لا تُوقعه من على الحصيرة مثلاً، إنما ترفعه إلى أعلى ليزيد الإيلام، كذلك هؤلاء فتح الله عليهم أبواب الخيرات من كل ناحية ليؤمنوا، لكنه نسوا ما ذكِّروا به، فأخذهم أخْذ عزيز مقتدر.
والنعمة إذا لم تُقابل بالشكر انقلبتْ إلى نقمة
{كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] والأخذ حال النعمة والرفاهية أنكى وأوجع من الأخذ حال الفقر، فالأخذ مع النعمة فيه يأسٌ بعد إطماع، مثل السجين الذي يطلب الماء لشدة عطشه، فيأتي له الحارسُ بكوب الماء حتى يقترب من فمه فيُريقه على الأرض.
وقوله تعالى: