الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ نَظَرُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ} أَيُّهَا الْقَوْمُ، يَقُولُ: فَلَعَلَّكُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ عَنْ تَنْزِيلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَفَارَقْتُمْ أَحْكَامَ كِتَابِهِ، وَأَدْبَرْتُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمَّا جَاءَكُمْ بِهِ {أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ}
يَقُولُ: أَنْ تَعْصُوا اللَّهَ فِي الْأَرْضِ، فَتَكْفُرُوا بِهِ، وَتَسْفِكُوا فِيهَا الدِّمَاءَ {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} وَتَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّفَرُّقِ بَعْدَ مَا قَدْ جَمَعَكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَأَلَفَّ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.
عَنْ قَتَادَةَ، يَقُولُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ كَيْفَ رَأَيْتُمْ الْقَوْمَ حِينَ تَوَلَّوْا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، أَلَمْ يَسْفِكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَقَطَعُوا الْأَرْحَامَ، وَعَصَوُا الرَّحْمَنَ""
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ تَعَلَّقَتِ الرَّحِمُ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: مَهْ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: «أَفَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، وَأَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ؟» قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: «فَذَلِكَ لَكِ» .
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَأُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أُمُورَ النَّاسِ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بِمَعْنَى الْوَلَايَةِ، وَأَجْمَعَتِ الْقُرَّاءُ غَيْرَ نَافِعٍ عَلَى فَتْحِ السِّينِ مِنْ {عَسَيْتُمْ} ، وَكَانَ نَافِعٌ يَكْسِرُهَا (عَسِيتُمْ) .