[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(سورة محمد(صلى الله عليه وسلم)
(وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ...(4)
روى الطبري: لانتصر بعقوبة منه لهم وكفاكم ذلك كله. وذكر الزمخشري: (انتصر) تضمن معنى (انتقم) منهم ببعض أسباب الهُلك من خسف أو رجفة أو حاصب أو غرق أو موت جارف ولكن أمركم بالقتال ليبلو المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا حتى يستوجبوا الثواب العظيم، وليبلو الكافرين بالمؤمنين بما وجب لهم من العذاب.
وروى القرطبي: أي أهلكهم بغير قتال. وذكر الراغب في مفرداته: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) إنما قال: فانتصر ولم يقل: انصر تنبيها أن ما يلحقني يلحقك حيث أني جئتهم بأمرك فإذا نصرتني فقد انتصرت لنفسك.
وقال أبو السعود: انتصر منهم: انتقم منهم ببعض أسباب الهلكة والاستئصال.
أقول: ولعل الذي ينتصرله السياق: تضمين (انتصر) معنى (انتقم أو أصاب منهم) وأنزل بهم ما شاء من أصناف البلاء والهلك من خسف أو غرق أو رجفة أو ... ولو شاء لأصاب منهم بغير هذه الأسباب جميعا ولكنه سبحانه يبتليكم ويرئيكم فما أشد مضض الابتلاء تستكد فيه وتدأب، فليس أكرم على المؤمن من إعزاز دين اللَّه ونُصرة الحق الذي يحيا به ليُعز وجهه
ويعلي قدره ويجاهد من أجله فاللَّه يريد أن يتم النصر على أيديكم أيها المؤمنون حين تفرُغُ نفوسكم من أعراض الدنيا وزخارفها ولم يعد في قلوبكم ما يشغَلُها عن رضوان الله.
وإذا سأل سائل ما العلاقة بين (انتصر) و (أصاب ونقم) ؟ فأقول: أليس إهلاك أعداء اللَّه نصراً لأولياء اللَّه وأحبابه؟ والسؤال الآخر: لم فضل (انتصر) على (نقم أو أصاب) ؟ والجواب: إن الانتصار يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وفيه ابتلاء واختبار وفتنة ولا شيء من ذلك في الانتقام والإصابة والاستئصال. ثم إن الانتصار أوقع في النفس من الإصابة وأذهب في الدلالة على القصد. فإن شئت أن تبحث عن أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز في اختيار حروف المعاني فلاطف النظر فيها فأفعالها تحتاج إلى فضل بيان، لتسمحَ لك بكل متأبٍّ عليك.