ومن لطائف ونكات التفسير الوسيط لطنطاوي:
سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -
(ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ(3)
وقوله: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ}
أي: مثل ذلك البيان الرائع الحكيم، يبين الله تعالى: للناس أحوال الفريقين، وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال، وهي اتباعُ المؤمنين الحقَّ وفوزُهم، واتباعُ الكافرين الباطَل وخسرانهم.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : أين ضرب الأمثال؟
قلت: في جعل اتباع الباطل مثلا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلا لعلم المؤمنين، أو في أن جعل الإِضلال مثلا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلا لفوز المؤمنين.
(مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ...(15)
والمراد بالمثل هنا: الصفة. وهو مبتدأ، والكلام على تقدير الاستفهام الإِنكارى، وتقدير مضاف محذوف، والخبر قوله تعالى: {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار} . أي: أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد في النار: أو: أمثل الجنة جزاء من هو خالد في النار، وقدر الاستفهام في المبتدأ لأنه مرتب على الإِنكار الساق في قوله: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} .
ورحم الله تعالى صاحب الكشاف، فقد قال:
فإن قلت ما معنى قوله تعالى: {مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ} .. {كمن هو خالد في النار} ؟
قلت: هو كلام في صورة الإِثبات، ومعناه النفى والإِنكار، لانطوائه تحت حكم كلام مصدر بحروف الإِنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى: {أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ. .} ؟
فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أي كمثل جزاء من هو خالد في النار؟
«فإن قلت» : فلم عرَّى في حرف الإِنكار؟ وما فائدة التعرية؟
قلت: تعريته من حرف الإِنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الجحيم.
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)
والمراد: التسجيل عليهم بأن قلوبهم مغلقة، لا يدخلها الإِيمان، ولا يخرج منها الكفر والنفاق.
قال صاحب الكشاف:
«فإن قلت» : لم نكرت القلوب وأضيفت الأقفال إليها؟
قلت: أما التنكير ففيه وجهان: أن يراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك. أو يراد على بعض القلوب وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال، فلأنه يريد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لـ طنطاوي} ...