{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ}
أعيد الأمر بأن يقول ما هو حجة عليهم لما علمت آنفاً في تفسير قوله: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} [الأحقاف: 4] الآيات.
وهذا جواب عما تضمنه قولهم: {افتراه} [الأحقاف: 8] من إحالتهم صدقه فيما جاء به من الرسالة عن الله إحالة دعتهم إلى نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء على الله.
وإنما لم يعطف على جملة {قل إن افتريته} [الأحقاف: 8] لأن المقصود الارتقاء في الرد عليهم من ردّ إلى أقوى منه فكان هذا كالتعدد والتكرير، وسيأتي بعده قوله: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به} [الأحقاف: 10] .
ونظير ذلك ما في سورة المؤمنين (81 84) {بل قالوا مثل ما قال الأولون إلى قل لمن الأرضُ ومَن فيها إن كنتم تعلمون وقولِه قل من رب السماوات السبع} [المؤمنون: 86] وقوله: {قل من بيده ملكوت كل شيء} [المؤمنون: 88] الخ.
والبِدع بكسر الباء وسكون الدال، معناه البَديع مثل: الخِفّ يعني الخفيف قال امرؤ القيس:
يزل الغلام الخف عن صواته ...
ومنه: الخِلّ بمعنى الخليل.
فالبِدْع: صفة مشبهة بمعنى البَادع، ومن أسمائه تعالى:"البديع"خالق الأشياء ومخترعها.
فالمعنى: ما كنت محدثاً شيئاً لم يكن بين الرسل.
و {مِن} ابتدائية، أي ما كنت آتياً منهم بديعاً غير مماثل لهم فكما سمعتم بالرسل الأولين أخبروا عن رسالة الله إياهم فكذلك أنا فلماذا يعجبون من دعوتي.
وهذه الآية صالحة للرد على نصارى زماننا الذين طعنوا في نبوته بمطاعن لا منشأ لها إلا تضليلٌ وتمويه على عامتهم لأن الطاعنين ليسوا من الغباوة بالذين يخفى عليهم بهتانهم كقولهم إنه تزوج النساء، أو أنه قاتل الذين كفروا، أو أنه أحبّ زينب بنت جحش.