وقال المؤيد بالله:
سورة الجاثية
(وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7)
فالإفك يكون سببا للإثم، فلهذا قدم عليه
(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً(23)
ومن جيّد ما يقال في أمثلة التمثيل قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً) .
مثّل الله تعالى حال من انقاد لهواه، واستولى عليه سلطانه، حتّى صار عقله موطوءا بقدم الهوى، وجعل في إسار الذّلّ، وربقة الملكة وحصل غالبا عليه في جميع أحواله مطيعا له في كلّ أموره، بحال من له إله يعبده، ويطيعه في جميع أوامره ونواهيه، ثم لمّا علم الله تعالى من حاله ما ذكرناه أضلّه بترك الألطاف الخفيّة على علم باستحقاقه للخذلان لإعراضه، ومثّلت حالته فيما صار إليه من الخذلان بسلب الألطاف، بحال من ختم على سمعه، وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، في النكوص والتمرّد عن الهدى، وسلوك جانب الغيّ، وركوب غارب البغي، فمن هذه حاله لا يرجى صلاحه، فهكذا حال من ساعد هواه وكان مطيعا له في الأمور كلها.
فحاصل الأمر أن كل من انقاد لهواه، وأعرض عن حكم عقله في كل أحواله، وصار العقل منقادا في حكمة الذل موطوءا بقدم الهوى، فإنه ينزل فيما هو فيه منزلة من ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة، فهو معرض عما يأتيه من الحق صادف عنه. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...