قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ(17)
قوله: (امتحناهم بإرسال مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إليهم) أي فتنا مُشْتَق من فتن الفضة
عرضها عَلَى النَّار فيكون بمعنى الامتحان وهو محال في حقه تَعَالَى فهو اسْتعَارَة تمثيلية كما
مر بيانه مرارًا لا سيما في قوله: (لنبلونكم بشيء) الآية.:(وإذا ابتلى
إبْرَاهيم ربه)الآية. أي عاملناهم معاملة الممتحن ليظهر حالهم لغيرهم لا
ليظهر حالهم له تَعَالَى قدمه لأنه يوافق قوله: (وجاءهم رسول كريم) .
قوله: (أو أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الرزق عليهم) في الفتنة أي المحنة
والمشقة بالإمهال فالفتنة بمعنى المحنة، والْمُرَاد بالفتنة ما يفتن به وهو الحاصل بالمصدر أي
ما يغفل به عَمَّا فيه صلاحه. وحاصله الاستدراج والإمهال والله شديد المحال.
قوله: (وَقُرئَ بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم) أي الْمَفْعُول وهذا يستلزم تكثير الْفعْل.
قوله: (على الله أو على المؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه) فكريم
بمعنى مكرم لأنه قد مَرَّ أن فعيلا بمعنى المفعل اسم الْمَفْعُول إما عند الله تَعَالَى أو عند
الْمُؤْمنينَ فأو لمنع الخلو. قوله أو في نفسه أي يجوز أن يكون كريمًا في أصل معناه من
الكرم وهو الاتصاف بالأخلاق الحميدة والجمع بالفضائل المختصة، وأَيْضًا لا منع من
جمع الْمَعْنَى الْمَذْكُور بل هذا مدار الْمَعْنَى الأول فيدل عليه اقتضاء فهذا تصريح بما
علم التزامًا.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وَقُرئَ بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم. يريد أنه عَلَى منوال المُبَالَغَة في قوله:(وما أنا
بظلام للعبيد)يعني صيغة فعل للتكثير وهو إما بحسب الكَيْف أو بحسب الكم، فإن كان
بحسب الكَيْف يراد به المُبَالَغَة في الْفعْل فالمراد نعذبهم عذابًا شديدًا بحسب ذنوبهم العظمية وإن
كان بحسب الكم يراد به كثرة الْمَفْعُول أعني كثرة القوم.