فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 404649 من 466147

(فصل في الرد على الملحدين)

قال الباقلاني:

فأما تعلّق الملحدة بقوله: {وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} وذكر فيها من صحاف الذهب والفضة والولدان وغير ذلك من تعظيم شأن نعيمها وإيصال لذّاتها وشرورها وأنّه منقوص بوصفه لها بأنّ فيها أنهارا من ماء غير آسن، وأنهارا من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهارا من خمر لذّة للشاربين، وقولهم أن اللبن والخمر ليس ممّا يستلذ، واللبن خاصة لا يطلبه ويشتهيه إلا جائع مضرور، وأن الموضع الموصوف بأنّ فيه ماء غير آسن لا يكون إلا جدبا قحطا غير مخصب فإنّه باطل، لأنّ الخمر عند كل أحد مستلذ مشتهى، ولذلك حرّمت ومنعت كسائر اللذات، وما تدعوه إليه النفوس والطباع، وذكره الأنهار إنّما هو إخبار عن كثرته، وأنّه غير محصور ولا مغيّر مقتّر محدود.

فأمّا ذكره اللبن فإنّه صحيح، لأن العرب تلذّ اللبن وتشتهيه وتؤثره على الماء وتختاره عليه، وتجعله بمثابة الطعام والشراب، وليس بعد الماء شراب مفطور مخلوق من غير صنعة ولا مزاج، وشرب غيره من كلّ مائع سواه، فإنّه لا يلذّ بشربه إلا بصنعة ومزاج وتعديل، وكذلك ذكره العسل، لأنه مما يلذ ويحب.

فأمّا قولهم: إنه قلّ ما يؤكل ويشرب عسلا صرفا حتى يمزج ويعالج، فإنّه كذب، لأنّ كثيرا من الناس يشتهيه صرفا، ولعله يمزج لمزاجته ممزوجا، والله سبحانه إنّما ذكر لهم الأشربة في الجنّة من هذه الأجناس، ليدلهم على أنّ هناك لبن وعسل وخمر وماء وأنواع ما تدعو إليه الأنفس، لا لكي يدلّ بذلك على أنّه مثل طعم الذي في الدنيا وصفته لا يفوقه ويزيد عليه، وكذلك إنّما وصف الماء بأنّه في أنهار وأنّه غير آسن ولا متغير، لأنّ القوم الذين خوطبوا بذلك إنّما كانوا يشربون من العيون الضيقة والآبار النزة وربّما كان الماء لقلته آسنا متغيرا، فعرّفهم أنه هناك غير قليل ولا محصور مغير مقتّر محدود، فبان بذلك بطلان ما قالوه، وكذلك قوله: {فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] ، {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الواقعة: 21] ، وغير ذلك إنّما أورده لكي يعرّفهم أنواع ما في جنانه، ولم يذكره لكي يعرّفهم أنّه على صفات ما في الجنّة من الثمار واللحوم، على صفات ما تقع عليه هذه الأسماء والنعوت في الدنيا من غير تحصيل مزية ولا زيادة حسن وطيب ولذة، وما لا يقدر جميع من على وجه الأرض على تركيب طعام وشراب يبلغ لذته، وإن صنعوه وعالجوه بكلّ مزاج وتركيب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت