قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (حم(1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) .
قال قتادة: هو اسم السورة.
وقال غيره: (حم) قضى ما هو كائن، وقد ذكرناه.
وقوله: (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ) .
قال قتادة: مبين بركته وهداه ورشده.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مبين بين الحلال والحرام، وما يؤتى وما يتقى.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: مبين بين الحق والباطل.
وهو عندنا مبين بأنه من اللَّه - تعالى - ليس هو من تأليف البشر، ولا من توليدهم، ولكنه من اللَّه تعالى حيث عجزوا عن إتيان مثله، واللَّه الموفق.
وقوله: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(3) . كأنه يقول: جعلنا ذلك الكتاب عربيًّا لعلكم تعقلون.
وقيل: (جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا) . أي: أنزلناه قرآنًا عربيًّا.
قيل: (جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا) . أي: سميناه قرآنا، ليس أن جعله قرآنا، ولكن معناه: جعلناه عربيًّا، أي: نظمناه بالعربية؛ لتعقلوا، أو سميناه: قرآنا.
ثم قوله - تعالى -: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) . يخرج على وجوه:
أحدها: أي: أنزلناه عربيًّا على رجاء أن تعقلوا.
والثاني: أنزلناه عربيًّا لتعقلوا، وذلك يرجع إلى قوم مخصوصين قد عقلوه وفهموه؛ إذ لم يعقلوه جميعًا، ولا يتصور أن ينزله ليعقلوه ولا يعقلوه، فإن ما أراد اللَّه - تعالى - يكون لا محالة، وما فعل ينفعل؛ قال اللَّه - تعالى -: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) .
والثالث: أنزلناه عَرَبِيًّا لكي يلزمهم أن يعقلوه ويتبعوه؛ ليزول عذرهم والاحتجاج على اللَّه - تعالى - أنه كان على غير لساننا، واللَّه أعلم.
وعلى هذا يخرج تأويل"لعل"في جميع القرآن أنه للتحقيق إذا كان من اللَّه تعالى.
فَإِنْ قِيلَ: فعلى التأويل الأخير، كيف يخرج قوله: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، لا يستقيم أن يقال: لكي يلزمكم أن تفلحوا؟