ومن لطائف ونكات تفسير القنوجي:
سورة الزخرف
(بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ(22)
وقال هنا: (مهتدون) ، وفيما بعده: (مقتدون) ، لأن الأول وقع في محاجتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه مهتدون والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه مقتدون، أفاده الكرخي.
(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ(55)
وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به وهو الماء في قوله (وهذه الأنهار تجري من تحتي) ففيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به، وقد استضعف اللعينُ موسى وعابه بالفقر والضعف، فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استضعف أحد شيئاً إلا غلبه، أفاده القشيري.
(قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ(81)
(قل إن كان للرحمن ولد) وصح ذلك ببرهان صحيح، أو إن كان له ولد في قولكم، وعلى زعمكم (فأنا أول العابدين) أي أول من عبد الله وحده لأن من عبد الله وحده فقد دفع أن يكون له ولد، قاله ابن قتيبة.
وقال الحسن والسدي: إن المعنى ما كان للرحمن ولد، ويكون قوله: (فأنا أول العابدين) ابتداء كلام.
قال ابن عباس في الآية يقول إن يكن للرحمن ولد (فأنا أول العابدين) أي الشاهدين، وعن زيد بن أسلم قال هذا معروف من كلام العرب إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان، وعن قتادة نحوه.
وقيل: المعنى قل يا محمد: إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد.
وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، لأن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها، ومن هذا القبيل قوله تعالى: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره إن ثبت ما تقوله بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به فتكون (إنْ) في (إن كان) شرطية ورجح هذا ابن جرير وغيره.
وقيل: معنى العابدين الآنفين من العبادة وهو تكلف لا ملجئ إليه. انتهى انتهى {فتح البيان في مقاصد القرآن} ...