قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ(28) .
فكما ينزل الغيث بما يفصله إليه كذلك ينزل الوحي إلى ما ينزله إليه، ويفصله تفصيلاً ينبه بهذا على نعمه في الدنيا وفي الآخرة، فهذه
من نعمه في الدنيا، والوحي من نعمه المؤدية إلى الآخرة، يقال للمطر يأتي بعد
المطر على نبوته، كذلك الشمس بعد المطر المغدق يقال لها: ولي، كذلك يقال لما
ينشره عن الماء ويخلفه عنه: ولي؛ لأنه ولي ذلك؛ أي: قرب عنه قضاء وكان عنه
خلقًا وأمرًا.
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ ...(29) .
اجتلابه هذه الآيات شواهد على ما ذكره من أسمائه وصفاته
في صدر السورة، وأن النظر في (خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ)
يعلم العلم ويورث اليقين، معرفة خلقه إياهم يوجب اليقين بقدرته على أن
يجمعهم، وقد أخبر بذلك فهو لا بد كائن، والنظر إلى الموجودات من حيث هي
أفعال توجب اليقين التام بأنها لا بد لها من فاعل فعلها وموجد أوجدها، ثم إن
تهمم النَّاظر فنظر في معاني الصنعة وتابع التدبر وصل إلى معرفة صانعها بأسمائه
وصفاته وما ينبغي أن يكون عليه، ومعرفة ما يستحيل لديه؛ فيحمده بمحامده
ويسبحه بسبحاته، ثم إن تهمم وسما بتطلبه وصل إلى الوقوف على مباني الإسلام
وخصال الإيمان، وقرأ فيه القرآن مفصلاً على فصوله، ورأى حكمة ما جاءت به
الرسل حقيقة.
نظم به قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)
هذه أيضًا من آياته الدالة عليه كما دلت عليه مصنوعاته في السماء والأرض.
ثم قوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ...(31) . كلام راجع معناه
إلى قوله: (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) ومن قرأ:(فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)فهو إخبار منه - جل ذكره - أن الذي يصيب العباد