(فصل: الرِّيَاء والإخلاص وأحكامهما)
قال الحارث المحاسبي:
والإرادة إرادتان إِحْدَاهمَا الدُّنْيَا والآخرى للآخرة
فالصدق والإخلاص إِنَّمَا هُوَ إِذا أَرَادَ العَبْد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَلَيْسَ فِيهِ شيء من مَعَاني الدُّنْيَا
والرياء إِنَّمَا هُوَ أَن تكون الإرادة كلهَا للدنيا
فَمِنْهُ مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ فِي أصل الْعَمَل المحمدة وَالثنَاء
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِهِ فِي أصل عمله وَجه الله وَالدَّار الآخرة وَيُحب أن يحمد بِعَمَلِهِ ويثنى عَلَيْهِ
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَحده وَالدَّار الْآخِرَة فَإِذا دخل فِي الْعَمَل على ذَلِك الْإِخْلَاص عرض لَهُ بعض مَا ذكرنَا من الْآفَات فقبلها وَأحب أَن يحمد على عمله وأن يتَّخذ بِهِ منزلَة عِنْد أحد من المخلوقين
وَمِنْه مَا يكون العَبْد يُرِيد بِعَمَلِهِ وَجه الله وَالدَّار الآخرة وَيخْتم عمله بذلك وَيُطَالب بالآفات بعد الْفَرَاغ من الْعَمَل وَلَو بعد حِين حَتَّى يخبر بذلك الْعَمَل يُرِيد أن يحمد عَلَيْهِ ويتخذ بِهِ الجاه والمنزلة عِنْد المخلوقين فَهَذَا اسهل من جَمِيع مَا ذكرنَا
وَالنَّاس فِي هَذَا مُخْتَلفُونَ
ففرقة تَقول هَذَا من الذُّنُوب وَلَا يفْسد الْعَمَل لِأَن الْعَمَل قد مضى وَختم بِالصِّحَّةِ فَلَا يفْسد بعد الخاتمة وَمَا لحق العَبْد بعد ذَلِك فَقبله من هَذِه الْآفَات فَللَّه فِي ذَلِك على العَبْد مقَام ومطالبة وَالْعَمَل لَا يبطل
وَقَالَت فرقة يبطل الْعَمَل وَلَو بعد حِين إِذا قبل الآفة وأحب المحمدة وَأدْخل المخلوقين فِي عمله وَأحب عِنْدهم الثَّنَاء والمنزلة والجاه.
(الْعَمَل الْخَالِي من ذكر الْإِرَادَة الصادقة)
قلت فَأَخْبرنِي إِذا هم العَبْد بِعَمَل الْبر وَعَمله وَفرغ مِنْهُ وَلم يذكر قبل عمله وَلَا بعد إِرَادَة الآخرة وَكَانَ نَاسِيا سَاهِيا عَنْهَا أَلَيْسَ هَذَا عمل بِلَا نِيَّة وَلَا صدق؟
قَالَ بلَى
قلت وَكَيف يكون عمل من أَعمال الْبر مِمَّا يُرَاد الله بِمثلِهِ بِلَا نِيَّة وَلَا صدق وَقد عمله العَبْد؟
قَالَ إِذا لم يكن الصدْق وَلم يقدم النِّيَّة فَلَيْسَ بشيء لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ"إِنَّمَا الأعمال بِالنِّيَّةِ"