ومن فوائد الإمام ابن رجب الحنبلي في السورة الكريمة:
سُورَةُ الشُّورَى
قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(13)
[قالَ البخاريُّ] : وقال مجاهدٌ: (شَرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ) .
أوصينَاكَ وإيَّاهُ يا مُحَمد دِينًا واحدًا.
روى ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ، في قوله: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصئَى بِهِ نوحًا) الشورى: 13،، قال: وصَّاك به وأنبياءَهُ كلَّهم دينًا واحدًا.
ومعنى ذلك أنَّ دينَ الأنبياءِ كلِّهم دينٌ واحدٌ، وهو الإسلامُ العامُّ، المشتملُ
على الإيمانِ باللَّهِ وملائكتهِ وكتبِهِ ورسلهِ واليومِ الآخرِ، وعلى توحيدِ اللَّه
وإخلاصِ الدِّين له، وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة.
كما قال تعالى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ(4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) .
والدينُ هو الإسلامُ، كما صرحَ به في مواضعَ أُخرَ، وإذا أُطلقَ الإسلامُ
دخلَ فيه الإيمانُ، وبالعكس.
وقد استدل على أنَّ الأعمال تدخلُ في الإيمانِ بهذه الآيةِ وهي قولُه:
(وَذَلِكَ دِينُ الْقَيمَةِ) ، طوائفُ من الأئمةِ، منهم: الشافعيُّ وأحمدُ
والحميديُّ.
وقال الشافعيُّ: ليسَ عليهم أحجُّ من هذه الآيةِ.
واستدل الأوزاعيُّ بقولِهِ تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحًا)
إلى قوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا) .
وقال: الدِّينُ: الإيمانُ والعملُ.
واستدل بقولِهِ تعالى:(فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإخوَانُكُمْ فِي
الدِّينِ).
وقد ذكرَ الخلاَّل في كتاب"السُّنة"أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظِهِمْ، بالأسانيد
إليهم.
قوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ(37)
وقد مدحَ اللَّهُ من يغفرُ عندَ غضبِهِ، فقال: