فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 396892 من 466147

وقال الطبري:

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) }

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا نَحْنُ أَنْعَمَنَا عَلَى الْكَافِرِ، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ، وَرَزَقْنَاهُ غِنًى وَسَعَةً، وَوَهَبْنَا لَهُ صِحَّةَ جِسْمٍ وَعَافِيَةً، أَعْرَضَ عَمَّا دَعَوْنَاهُ إِلَيْهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَصَدَّ عَنْهُ {وَنَأَى بِجَانِبِهِ}

يَقُولُ: وَبَعُدَ مِنْ إِجَابَتِنَا إِلَى مَا دَعَوْنَاهُ إِلَيْهِ، وَيَعْنِي بِجَانِبِهِ بِنَاحِيَتِهِ.

عَنِ السُّدِّيِّ: يَقُولُ:"أَعْرَضَ: صَدَّ بِوَجْهِهِ، وَنَأَى بِجَانِبِهِ: يَقُولُ: تَبَاعَدَ"

وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ}

يَعْنِي بِالْعَرِيضِ: الْكَثِيرِ.

وَذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ: أَطَالَ فُلَانٌ الدُّعَاءَ: إِذَا أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ أَعْرَضَ دُعَاءَهُ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) }

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ} يَا مُحَمَّدُ لِلْمُكَذِّبِينَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ {أَرَأَيْتُمْ} أَيُّهَا الْقَوْمُ {إِنْ كَانَ} هَذَا الَّذِي تُكَذِّبُونَ بِهِ {مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} أَلَسْتُمْ فِي فِرَاقٍ وَبُعْدٍ مِنَ الصَّوَابِ، فَجَعَلَ مَكَانَ التَّفْرِيقِ الْخَبَرَ، فَقَالَ: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} إِذَا كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ.

وَقَوْلُهُ: {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}

يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ مَنْ أَشَدُّ ذَهَابًا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَأَسْلَكُ لِغَيْرِ طَرِيقِ الصَّوَابِ، مِمَّنْ هُوَ فِي فِرَاقٍ لِأَمْرِ اللَّهِ وَخَوْفٍ لَهُ، بَعِيدٌ مِنَ الرَّشَادِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) }

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَنُرِي هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِنَا مِنَ الذِّكْرِ، آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْآيَاتِ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنْ يُرِيَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالْآيَاتِ فِي الْآفَاقِ وَقَائِعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَوَاحِي بَلَدِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَطْرَافِهَا، وَبِقَوْلِهِ: {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} فَتْحُ مَكَّةَ.

عَنِ السُّدِّيِّ،" {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ} يَقُولُ:"مَا نَفْتَحُ لَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْآفَاقِ {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} فِي أَهْلِ مَكَّةَ، يَقُولُ: نَفْتَحُ لَكَ مَكَّةَ""

وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ يُرِيهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ وَقَمَرَهُ، وَشَمْسَ النَّهَارِ، وَذَلِكَ مَا وَعَدَهُمْ أَنَّهُ يُرِيهُمْ فِي الْآفَاقِ وَقَالُوا: عَنَى بِالْآفَاقِ: آفَاقَ السَّمَاءِ، وَبِقَوْلِهِ: {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} سَبِيلَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.

قَالَ ابْنُ زَيْدٍ:"آفَاقِ السَّمَاوَاتِ: نُجُومِهَا وَشَمْسِهَا وَقَمَرِهَا اللَّاتِي يَجْرِينَ، وَآيَاتٍ فِي أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا".

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِهِ مُكَذَّبَيْنِ آيَاتٍ فِي الْآفَاقِ، وَغَيْرُ مَعْقُولٍ أَنْ يَكُونَ تَهَدَّدَهُمْ بِأَنْ يُرِيَهُمْ مَا هُمْ رَاءُوهُ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَعْدًا مِنْهُ لَهُمْ أَنْ يُرِيَهُمُ مَا لَمْ يَكُونُوا رَأَوْهُ قَبْلُ مِنْ ظُهُورِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَطْرَافِ بَلَدِهِمْ وَعَلَى بَلَدِهِمْ، فَأَمَّا النُّجُومُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، فَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَهَا كَثِيرًا قَبْلُ وَبَعْدُ وَلَا وَجْهَ لِتَهَدُّدِهِمْ بِأَنَّهُ يُرِيهُمْ ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}

يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أُرِي هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَقَائِعَنَا بِأَطْرَافِهِمْ وَبِهِمْ حَتَّى يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ مَا أَنْزَلْنَا إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْوَعْدِ لَهُ بِأَنَّا مُظْهِرُو مَا بعثَنَاهُ بِهِ مِنَ الدِّينِ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.

وَقَوْلُهُ: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ أَنَّهُ شَاهِدٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَفْعَلُهُ خَلْقُهُ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ مُجَازِيهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءَ جَزَاءَهُ وَفِي قَوْلِهِ: {أَنَّهُ} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى وَجْهِ تَكْرِيرِ الْبَاءِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ؟ وَالْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَفَعَا، بِقَوْلِهِ: يَكْفِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ شَهَادَتُهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) }

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ فِي شَكٍّ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، وَمَعَادِهِمْ إِلَى رَبِّهِمْ.

وَقَوْلُهُ: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ}

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ مُحِيطٌ عِلْمًا بِجَمِيعِهِ، وَقُدْرَةً عَلَيْهِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عُلْمُ شَيْءٍ مِنْهُ أَرَادَهُ فَيَفُوتُهُ، وَلَكِنِ الْمُقْتَدِرُ عَلَيْهِ الْعَالِمُ بِمَكَانِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 20/}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت