الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مِنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى «حم» وَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَالْقَوْلِ فِي ذَلِكَ.
وَقَوْلهِ: {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْقُرْآنُ تَنْزِيلٌ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ}
يَقُولُ: كِتَابٌ بُيِّنَتْ آيَاتُهُ.
وَقَوْلُهُ: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فُصِّلَتْ آيَاتُهُ هَكَذَا
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَوْلُهُ {كِتَابٌ فُصِّلَتْ} الْكِتَابُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، أَخْبَرَ أَنَّ التَّنْزِيلَ كِتَابٌ، ثُمَّ قَالَ: {فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} شُغِلَ الْفِعْلُ بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ، فَنُصِبَ الْقُرْآنُ، وَقَالَ: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نَصْبَهُ عَلَى الْمَدْحِ كَأَنَّهُ حِينَ ذَكَرَهُ أَقْبَلَ فِي مَدْحَتِهِ، فَقَالَ: ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَذَكَرْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذِكْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُضْمِرَ
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: نُصِبَ قُرْآنًا عَلَى الْفِعْلِ: أَيْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ كَذَلِكَ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ النَّصْبُ فِيهِ عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ تَامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ «آيَاتُهُ» قَالَ: وَلَوْ كَانَ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الْكِتَابِ كَانَ صَوَابًا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ} وَقَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} فِيهِ مَا فِي {قُرْآنًا عَرَبِيًّا}
وَقَوْلُهُ: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
يَقُولُ: فُصِّلَتْ آيَاتُ هَذَا الْكِتَابِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ بَشِيرًا لَهُمْ يُبَشِّرُهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ فِيهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ بِالْجَنَّةِ، {وَنَذِيرًا}