وقال الشيخ/ عبد الرحمن حَبَنَّكَة:
سورة فصلت
{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) }
إنّ عبارة {الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة} من الإِطناب، لأنّ المشركين لا يُزَكُّونَ.
والداعي لهذا الإِطناب حثُّ المؤمنين على أداء الزكاة، وتحذيرهم من المنع إذْ أبان الله أنَّهُ من صفات المشركين، وفيه دلالة على أنَّ من آثار الشرك جَفَافَ الرحمة على ذوي الحاجات، فهم لا يشعرون بمشاعر ذوي الحاجات، بخلاف المؤمنين بالله واليوم الآخر، إذ الإِيمان يولّد في قلوبهم خلق الرحمة، وعاطفة حبّ العطاء ومساعدة ذوي الحاجات.
{ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ الله النار لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ (28) }
إنّ جهنَّمَ هي دَارُ الْخُلْدِ يوم الدّين لأعداء الله، ولكن جاء على طريقة التجريد، إذِ انْتُزِعَ من جَهَنَّمَ دَارٌ وجُعلَتْ داراً لهم، بأسلوب استخدام"في"الجارّةِ
الظرفية دَاخلَةً على المنتزَعِ منه.
{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) }
وأمّا قول الله عزّ وجلّ: {وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة آل عمران: 182] . {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة فصلت: 46] . {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} [سورة ق: 29] .
فهو من دقَّة الأداءِ البيانيّ لإِجراءِ التقابُل بين أفراد الظلم، وأفراد العبيد، فلو أنَّه تعالَى ظَلَمَ كُلَّ واحدٍ من عباده أقلَّ ظُلْمٍ لكان بالنسبة إليهم جميعاً ظلاَّماً، لكَّنهُ لا يفْعَلُ ذلك فهو ليْسَ بظلاّم.
فإذا قيل: فهل يظلم الله عزّ وجلّ بعضَ عبيده أقَلَّ ظُلْمٍ ولو شخصاً واحداً؟
فالجواب: أنَّ الله عزّ وجلّ نفى ذلك عن نفسه في نصوصٍ أخرى، منها ما يلي:
* قول الله تعالى في سورة النساء: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} [الآية: 40] .
* وقول الله عزَّ وجلَّ في سورة يونس: {إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الآية: 44] .
* وقول الله عزَّ وجلّ في سورة الكهف: {... وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الآية: 49] .