{فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ}
أعرضوا، يعني بعد كل هذه الآيات، وبعد أنْ أقرُّوا هم بأنه سبحانه خالقهم وخالق السماوات والأرض، خاصة وهذه مسألة لم يدَّعها أحدٌ لنفسه، فما دام أن مسألة الخَلْق هذه لم يدَّعها أحد فقد سَلَمتْ لله وحده، لذلك قال تعالى:
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ .. } [آل عمران: 18] شهد الله لنفسه وأعلنها، فهل اعترض أحد عليها؟ لم يعترض أحد.
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ .. } [فصلت: 13] بعد هذه الآيات الواضحات {فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] الإنذار يكون بشيء مخيف مُروِّع قبل حدوثه، لا بعد أن يكون حدوث المُنذَر به ليُجِدي الإنذار ونحتاط له، فلو وقع الأمر المروّع لم يُجْدِ الإنذار به.
كذلك قلنا في البشارة بالأمر السَّارّ قبل أوانه لنقبل عليه، إذن: البشارة والنذارة لا بدَّ أنْ يكون كل منها قبل الحدث المبشَّر به أو المنذَر به.
فقل يا محمد للذين كذَّبوا بآياتنا: {أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] أنذرتكم أي الحق سبحانه هو المنذر، وهو سبحانه عزيز لا يُغلب، وما دام أنذر بشيء فلا بدّ أنْ يقع وأنْ يتحقق.
وقوله: {صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] يعني: المسألة ليستْ كلاماً، إنما واقع حدث بالفعل وسوابق، كما حدث مع عاد وثمود وأنتم على علم بها وتشاهدون آثار هؤلاء.
هنا كان عتبة بن ربيعة، وهو سيد من سادات قريش حينما أسلم سيدنا عمر وأسلم حمزة والعباس، قال صناديد الكفر: إن أمر محمد في اتساع، فلا بدَّ أنْ نتدارك الأمر ونحدد موقفنا منه لنمنع هذا الاتساع، فعلينا أن نختار واحداً منا على علم واسع باللغة والشعر، وكاهناً يجيد أساليب الكهان، وكذلك يكون ساحراً، يعني: يجيد كل ما نتهم محمداً به.
فقال عتبة: أنا أعلم الناس بكل ذلك فدَعُوني أذهب إلى محمد، فلما ذهب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أنت خير أم جدُّك هاشم؟ أنت خير أم جدّك قصي؟ أنت خير أم جدّك عبد المطلب؟ هؤلاء لم يُسفِّهونا في عبادتنا، فهل أنت خير منهم لتأتي بدين جديد غير دين آبائنا؟