قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ(69)
أي: عن هذا الحق الذي سبق بالفطرة إلى حذر قلوبهم، وهي في هذه الجملة التي
تقدمت لما وصف من أفاعيل قدرته على سنن حكمته، ذكر إيماءه لرسوله - صلى الله عليه وسلم -
بالثبات على أمره واستشعار العزيمة على رشده بقوله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ
أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ (66) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) فذكر التقليب
في الخلقة وإرجاع أواخر الحكم على أوائلها، فأوضح الحق وكشف المستور
ببراهين المشاهدة.
قال على إثر ذلك: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ(69)
تعجب من ضلالهم عن الحق المبتغى ونكوبهم عن السبيل المرتضى
بجد منهم في ذلك، وعزم من ذواتهم، فجعل ذلك أيضًا من آياته على عظيم اقتداره
ومضاء مشيئته في قهر ذواتهم، كيف صرفهم بهم عن فوزهم واستاقهم بسلاسل
قهره المصوغة من خالص عزماتهم وعزم إراداتهم من حقيقة ذواتهم إلى خزي
الدنيا وعذاب الآخرة؟.
نظم إلى ذلك ما هو إتمام لمعناه قوله الحق: (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا
أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ ... (71)
جعل جزاءهم في الآخرة من جنس كونهم في الدنيا، كانت الأغلال في
أيديهم جمعت بها إلى أذقانهم بالسلاسل من القهر في أعناقهم، يساقون بها عن
مقام الظفر بالنجاح إلى أهويات الكفر ومهامه الضلال المبين، كذلك جعل باطن
تلك السلاسل والأغلال ظاهرًا فيما هنالك.
قال الله - عز من قائل: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ
مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا
يُبْصِرُونَ (9) . المعنى إلى آخره.