34 -ثم قال مؤمن آل فرعون موبّخًا لهم بأنهم ورثوا التكذيب بالرسل من آبائهم الأولين، وأسلافهم الغابرين {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ} ؛ أي: وعزة الله وجلاله لقد جاءكم يا أهل مصر {يُوسُفُ} بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام، وكان قد أقام فيهم نبيًا عشرين سنةً، وقيل: المراد بيوسف هنا: يوسف بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وحكى النقاش عن الضحاك: أن الله بعث إليهم رسولًا من الجن، يقال له: يوسف، والأول أولى.
أي: ولقد جاء أيها القبطيون آباءَكم الأقدمين يوسف بن يعقوب {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل موسى {بِالْبَيِّنَاتِ} ؛ أي: بالمعجزات الواضحة التي من جملتها تعبير الرؤيا وشهادة الطفل على براءة ذمته، وقد كان بعث إلى القبط قبل موسى بعد موت الملك، وكان فرعون موسى قد أدرك أيام يوسف بن يعقوب، فعاش إلى زمانه، وذلك لأنّ فرعون موسى قد عُمّر أكثر من أربع مائة سنة.
وكان بين إبراهيم وموسى تسع مائة سنة على ما رواه ابن قتيبة في كتابه"المعارف"، فيجوز أن يكون بين يوسف وموسى مدة عمر فرعون تقريبًا، فيكون الخطاب لفرعون، وجُمع لأنّ المجيء إليه بمنزلة المجيء إلى قومه، وإلا فأهل عصر موسى لم يروا يوسف بن يعقوب، والأظهر أنه على نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء، وتوبيخ المعاصرين بحال الماضين {فَمَا زِلْتُمْ} ؛ أي: فما برحتم مستمرين {فِي شَكٍّ} وريب {مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} ؛ أي: في حقية الذي جاءكم به من الدين الحق، الذي هو التوحيد {حَتَّى إِذَا هَلَكَ} ومات يوسف {قُلْتُمْ} ضمًّا إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده {لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ} ؛ أي: من بعد موت يوسف {رَسُولًا} أصلًا فكفرتم به في حياته، وكفرتم بمن بعده من الرسل بعد موته، وظنوا أنَّ ذلك لا يحدد عليهم الحجة، وقرئ: {ألن يبعث} بإدخال همزة الاستفهام على حرف النفي، كأن بعضهم يقرر بعضًا على نفي البعثة.