ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
سورة غافر
{أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ... (28) }
ومنه: قول مؤمن من آل فرعون: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبًا فعليه كذبه وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم} .
فأخذهم بالاحتجاج على جهة التقسيم والاستدراج فقال: هذا إما كاذب فوبال كذبه عائد عليه، فما لكم وله، وإما صادق فيصيبكم بعض ما يعدكم به، فقدم الكذب على الصدق، وقال: {بعض الذي يعدكم} من علمه بأن جميع ما وعدهم به واقع بهم، هضمًا لبعض حقه في ظاهر الكلام، كأنه قال: إني قد هضمته بعض حقه، وحجتي ظاهرة عليكم، فكيف لو استوفيت له حقه، في جدالكم، أو تعصبت له فزدته على حقه، ثم أبطل القسمين، وهو كونه كاذبًا بقوله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} أي: وهذا قد هداه الله للإيمان فلا يكون كاذبًا، فيكون صادقًا، فاقبلوا اتباعه، وهذا هو المقصود بالاستدراج، توصل إليه بتلك المقدمات، والله أعلم.
وهكذا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: {ما تعبدون * قالوا نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين} .
فإن في هذه القصة أنواعًا من التلطف والاستدراج.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ ... (37) }
(في تفسير المبهم بعد إبهامه، طلبًا لتفخيمه، وإعظامه، لأنه يذهب بالسامع كل مذهب، ثم يأتي التفسير، فيخص بعض المذاهب، وقد استعدت النفس لشوقها إلى معرفة المبهم لسماع التفسير، فيكون أبلغ وأسد موقعًا، ولهذا تقول العامة:(إذا أردت نعمه: قل له ولا تتمه) .