{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ}
الحق سبحانه وتعالى بعد أنْ تكلَّم عن العقائد وذكر الوعد للطائعين والوعيد للعاصين، أراد سبحانه أنْ يُحدِّثنا عن الآخرة وهي دار الجزاء على الأعمال في الدنيا، والدنيا فيها أموات وفيها أحياء، ولن تقوم الساعة إلا إذا مات الجميع ليتحقق البعث، وإلاَّ فكيف يكون البعث في حَقِّ مَنْ لم يَمُتْ؟ لذلك يُحدِّثنا الحق سبحانه هنا عن النفْخ في الصور، هذه النفخة التي تُميت كل مَنْ هو حَيٌّ.
الفعل (نُفِخ) جاء بصيغة الفعل المبني للمجهول، الذي لم يُسَمِّ فاعله، لكن السُّنة هي التي بيَّنت الفاعل وأنه إسرافيل، و (الصُّور) بوق مثل القربة ينفخ فيه إسرافيلُ النفخةَ الأولى التي تميتُ كلَّ الأحياء، لأن القيامة ستقوم وعلى الأرض أحياء لا بد أنْ يموتوا، ليكون لهم بعث كالذين ماتوا من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة.
والحق سبحانه يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [العنكبوت: 57] .
لكن: هل النفخة الأولى هي التي تُميت؟ أو النفخة الثانية هي التي تحيي الموتى؟
نقول: النفخة ذاتها لا تحيي ولا تميت، إنما هي إيذانٌ لمن بيده الأمر أنْ يبدأ عمله {فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} [الزمر: 67] كلمة صعق تأتي بمعنيين.
صعق بمعنى هلك كما في قوله تعالى:
{فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45] يعني: يهلكون.
وتأتي صعق بمعنى أُغمي عليه وفقد الوعي، كما حدث لسيدنا موسى عليه السلام حين تجلَّى ربُّه للجبل، فلما دعا موسى ربه قال:
{رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] وليس المعنى هنا أنني لا أُرى، إنما أنا أُرى لكنك في تكوينك الحالي لا تستطيع أنْ تراني، إذن: قد يتغيَّر الحال على صورة يمكنك فيها أنْ تراني.
وإذا كان البشر قد توصَّلوا لطرق وأساليب وأسباب تُمكِّن من رؤية ما لم تقدر على رؤيته، فرأينا النظارة والنظارة المعظمة والتليسكوبات .. إلخ. إذن: فالحق سبحانه من باب أَوْلَى قادر على أنْ يجعلك ترى ما لم تكُنْ تراه من قبل.
ثم يقول سبحانه في تمام هذه القصة:
{وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}