قال الآلوسي:
ومن باب الإشارة في بعض الآيات: {فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين} [الزمر: 2] أي اعبده تعالى بنفسك وقلبك وروحك مخلصاً، وإخلاص العبادة بالنفس التباعد عن الانتقاص، وإخلاص العبادة بالقلب العمى عن رؤية الأشخاص، وإخلاص العبادة بالروح نفي طلب الاختصاص.
وذكر أن المخلص من خلص بالجود عن حبس الوجود {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ} [الزمر: 3] فيه إشارة إلى تهديد من يدعي رتبة من الولاية ليس بصادق فيها وعقوبته حرمان تلك الرتبة {يُكَوّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى الليل} [الزمر: 5] فيه إشارة إلى أحوال السائرين إلى الله سبحانه من القبض والبسط والصحو والسكر والجمع والفرق والستر والتجلي وغير ذلك {فِى ظلمات ثلاث} [الزمر: 6] قيل: يشير إلى ظلمة الإمكان وظلمة الهيولى وظلمة الصورة {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الليل ساجدا وَقَائِماً} يشير إلى القيام بآداب العبودية ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير {يَحْذَرُ الآخرة} ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها {مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ} رضاه سبحانه عنه وقربه عز وجل: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ} قدر معبودهم جل شأنه فيطلبونه {والذين لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك فيطلبون ما سواه {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ} حقيقة الأمر {أُوْلُو الألباب} [الزمر: 9] وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم وصفوا عن شوائب أنانيتهم {قُلْ يا أهل عِبَادِى الذين كَفَرُواْ} بي شوقاً إلي {اتقوا رَبَّكُمُ} فلا تطلبوا غيره سبحانه {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} في طلبي في هذه الدنيا بأن لم يطلبوا مني غيري {حَسَنَةٌ} عظيمة وهي حسنة وجداني {وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ} وهي حضرة جلاله وجماله فإنها لا نهاية لها فليسر فيها ليرى ما يرى ولا يظن بما فتح عليه انتهاء السير وانقطاع الفيض {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون} على صدق الطلب {أَجْرَهُمْ} من التجليات {بغير حساب} [الزمر: 10] إذ لا نهاية لتجلياته تعالى: {وَكُلٌّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} {قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} بطلب ما سواه {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الزمر: 13] وهو عذاب القطيعة والحرمان {قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى} [الزمر: 14] فلا أطلب دنيا ولا أخرى كما قيل:
وكل له سؤل ودين ومذهب ... ولي أنتم سؤل وديني هواكم