قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْله تَعَالَى {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} زِيدَتْ"مِنْ"لِإِفَادَةِ صِفَةِ الْعُمُومِ، فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك: لَا حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ إذَا ثَبَتَ اسْمُ لَا مَعَهَا فِي إفَادَةِ كُلِّ فَرْدٍ مِمَّا ذُكِرَ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ {وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَنَاوَلَ النَّفْيُ الشَّفَاعَةَ وَالطَّاعَةَ مَعًا، وَأَنْ يَتَنَاوَلَ الطَّاعَةَ دُونَ الشَّفَاعَةِ كَمَا تَقُولُ مَا عِنْدِي كِتَابٌ يُبَاعُ، فَهُوَ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ عِنْدَك كِتَابًا إلَّا أَنَّك لَا تَبِيعُهُ وَنَفْيُهُمَا جَمِيعًا وَأَنْ لَا كِتَابَ عِنْدَك وَلَا كَوْنُهُ مَبِيعًا وَنَحْوُهُ وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ يُرِيدُ نَفْيَ الضَّبِّ وَانْجِحَارِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ نَفْيُ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ، وَلَكِنْ لِانْتِفَاءِ الْمُرَكَّبِ طَرِيقَانِ وَهُمَا الِاحْتِمَالَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا، فَهُمَا احْتِمَالَانِ فِي طَرِيقِ الِانْتِفَاءِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، لَا فِي مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ.
فَإِنَّ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الْمَدْلُولِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ لَهُمَا إمَّا مُشْتَرَكًا وَإِمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ لِتَعْلَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُضَلَاءِ بِخِلَافِ مَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُ هَذَا وَكَذَا قَوْلُك مَا عِنْدِي كِتَابٌ يُبَاعُ إنَّمَا مَدْلُولُهُ نَفْيُ كِتَابٍ مَوْصُوفٍ وَسَاكِتٌ عَمَّا سِوَاهُ، وَالِاحْتِمَالَانِ فِي الْوَاقِعِ وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَكَذَا وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ رُؤْيَةِ الضَّبِّ مُنْجَحِرًا، وَالِاحْتِمَالَانِ فِي الضَّبِّ بِهَا وَلَا يَنْجَحِرُ أَوْ لَا ضَبَّ بِهَا أَصْلًا، وَحَمْلُهُ عَلَى إرَادَةِ الثَّانِي صَحِيحٌ لَيْسَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ،