{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ}
هذا وعد منه سبحانه أنْ ينصر رسله وأنْ ينصر الذين آمنوا، كما قال سبحانه:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171 - 173] لذلك قلنا: إذا رأيت قوماً نسبوا إلى الإسلام وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلَّتْ فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت فيهم شروط النصرة فلا بدَّ أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله لا تتبدل.
قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51] جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنَّا لننصر رسلنا بأيِّ وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يُسلمه.
لكن الحق سبحانه قد يترك أمر الدعوة في أولها تُضطهد وتُعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابةَ أنْ يُمحَّصُوا، وأن يختبر إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ.
رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، قال تعالى:
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} [العنكبوت: 2] .
أبداً، والفتنة معناها عَرْض الناس على مِحَن وشدائد لا يثبت أمامها إلا أقوياءُ العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في الآخرة أمر واضح لا شكَّ فيه، لأن الإنسان دائماً لا يخدع نفسه وإنْ خدع الآخرين.