[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ(15)
حكى أبو حيان: قال مقاتل: من أمره: أي بأمره، ويظهر أن (من) لابتداء الغاية. وذكر الشوكاني: من أمره: من قضائه. وذكر الآلوسي: أن (من أمره) قيل: بيان للروح، وعند ابن عباس تفسير الأمر بالقضاء، فجعلت من ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع حالا أو صفة: ناشئا من أمره.
والذي فسر الروح بجبريل قال: (مِنْ) سببية: أي من أجل تبليغ أمره
أقول: ذو العرش صاحب المقام الأسنى، والمستعلي على كل موجود، يلقي الروح - جبريل - على مَن يختاره من عباده لرسالته، ولغايةٍ هي: الإنذار بيوم الجزاء، يوم القضاء، يوم التلاق.
فلعل الإلقاء هنا تضمن معنى (البعث) والمتعدي بـ (مِن) رفيع الدرجات يبعث جبريل عليه السلام من أمره على من يشاء ممن اصطفاه من خلقه لينذر ويبلغ.
وجاء التعبير بالإلقاء بدلا من البعث لتظهر مزية الاستعلاء وتنكشف صورة قدرة ذي الجلال، تغمر القلب مهابة وعظمة. وينطلق صوت الجليل في الصمت الرهيب (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) ؟ ولا مجيب سواه (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) . فلا كبرياء لغيره ولا استعلاء لسواه.
إن اختيار الألفاظ في النظم كاختيار الجواهر في العِقد الثمين، يعلو بها المعنى مرتقى تنقطع الأطماع دونه، والتضمين يبلغنا حاجة من هذا الجمال الفني تبعا للغرض الذي جيء به من أجله.
نعم (بعث) تعدى بـ (إلى) حين أخذ دور الهداية، وخرج مُخرج الإرشاد (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ) ثم هو يتعدى بـ (على) حين يأخذ دور التهديد الرعيب بوقوع العذاب الشديد (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) وقال: (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) .