ومن لطائف ونكات العز بن عبد السلام:
سورة غافر (40)
قوله عز وجل: {ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم} (40: 8) .
كيف يدعون لهم بما وجب بالوعد، لأنه يلزم تحصيل الحاصل. وكذلك قوله: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب عليكم سلام} ، وقوله: {لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما} ، مع أن قولهم: سلام عليكم، ومعناه: الدعاء بالسلامة من الآفات، وهذا هو نداء من في الجنة فكيف يدعى به.
والجواب عن الأول: أن دخول الجنة مشروط بالموت على الإيمان وهو مشكوك فيه، فهم يدعون بتحصيل الشرط في المعنى.
وعن الثانية: قال الزمخشري: الاستثناء متصل. واللغو: هو الكلام الذي لا فائدة فيه، فليس في الجنة لغو إلا السلام.
فإنه كلام زالت فائدته. وبقي استعماله لما فيه من حسن التأتي والأدب.
قوله عز وجل: {إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون} (40: 10) .
ما العامل في"إذا"؟ لا يصح أن يكون:"مقت الله"، لأن المصدر لا يصح أن يفصل بينه وبين معموله. ولا"مقتكم"، لأنهم ما كانوا في زمان الدعوة يمقتون أنفسهم - والمقت: هو أشد البغض - بل كانوا فرحين بكفرهم. ولا يصح أن يكون العامل"تدعون"لأنه مضاف إليه [ولا"تكفرون"، لأنه معطوف على"تدعون"] والمعطوف على المضاف إليه مضاف إليه.
والجواب: إنا نضمر فعلاً آخر دل عليه"مقت الله"، تقديره:"مقتكم إذ تدعون". ولا يصح أن يحمل المقت هنا على مذهب القاضي، لأن عنده أن معناه:"أن يعاملهم معاملة الماقت لممقوته". لأن المعاملة والنداء المذكور في الآية إنما يقع في الآخرة لا في هذا الظرف، وما لا يقع في هذا الظرف لا يعمل فيه. ولا يستقيم إلا على مذهب الشيخ، أي يريد بكم المقت. وإرادة المقت واقعة في ذلك الزمان وفي غيره، فيصح عملها.
قوله عز وجل: {ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله} ... (40: 22) .
يجب الوقف عند قوله: {بالبينات فكفروا} ، لأن الأخذ معلول بالكفر الذي أشير إليه بذلك، فلو وصلنا بأخذهم لكان المعلول جزءًا من العلة. انتهى انتهى {فوائد في مشكل القرآن، للعز بن عبد السلام. ص/ 224 - 226} ...