{وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}
هذا هو المقابل، فالكافرون مثواهم وإقامتهم في جهنم، أما المؤمنون فينجيهم ربهم {بِمَفَازَتِهِمْ} [الزمر: 61] أي: بفوزهم ونَيْلهم لمرادهم. ونعيم الآخرة يُنال بشكلين: إما أنْ يدخل المؤمنُ الجنةَ بدايةَ، وإما أنْ يكون من أهل النار لكن تتداركه رحمة الله فيُزحزح عنها إلى الجنة.
كما قال سبحانه: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]
نعم فاز الفوز الأكبر؛ لذلك يسمون الصحارى مفازةً مع أنها مُهلكة ينقطع فيها السائر، لكن سمَّوْهَا مفازة تيمناً أن ينجو سالكها، وكما يسمون اللديغ من الثعبان أو الحية يسمونه السليم، أملاً في أنْ يَسْلم من لدغتها.
وإذا ما نجاهم الله وكتب لهم الفوز فقد سَلِموا من مجرد مَسِّ العذاب {لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر: 61] لأن كل المشاهد التي يروْنها تفرحهم، ولا شيء يُحزنهم أبداً، كما قال سبحانه في موضع آخر:
{لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] .
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}
بعد أن ذكر الحق سبحانه وعده ووعيده وبيَّن عاقبة الكافرين وعاقبة المؤمنين عاد إلى قضية عقدية أخرى {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] وكأنه يقول: ما الذي صرفهم عن أنْ يؤمنوا بالله الإله الحق، وهو سبحانه خالق كل شيء؟
بعضهم أخذ هذه الآية {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] ونسب كل الأفعال إلى الله، فالله في نظرهم خالق كل شيء، خالق الإيمان وخالق الكفر، وخالق الطاعة وخالق المعصية، وبالتالي قالوا: فلم يعذب صاحبها؟
نقول: هناك مَنْ يتعصب لقدرة الحق فيقول: كل شيء بقدرته تعالى، وهناك مَنْ يتعصب للعدالة فيقول: إن الإنسان هو الذي يفعل وهو الذي يسعى لنفسه، لذلك يُثاب على الطاعة ويُعاقب على المعصية، وهذا خلاف ما كان ينبغي أنْ يُوجد بين علماء؛ لأن الطاعة أو المعصية فعلٌ، والفعل ما هو؟