[من روائع الأبحاث]
(الخطاب القرآني وتنوعه)
للشيخ/ عاطف عبد المعز الفيومي
الحمد لله وَحْدَه، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بَعْدَه، نبيِّنا محمد صلَّى الله عليْه وسلَّم، وعلى آله وصحْبه أجمعين.
أمَّا بعد:
فمَن تأمَّلَ الخطابَ القرآنيَّ في أسلوبه وبلاغته، وفي تصريفه وتنويعه، استبانَ له وجهٌ بديعٌ مِن أَوجُه الإعجازِ القرآنيِّ، وخَصِيصَةٌ مِن خصائصه الأكيدة، وبيانُ ذلك في شمولية الخطاب القرآني لجميع أصناف المخاطَبين، على اختلاف أجناسهم، وأمْكِنَتِهم، ومِلَلِهم.
وهذا فارقٌ بديع في نوعيَّة الخطاب القرآني البليغ مِن غيره مِن سائر الخطابات، حيث إنَّنا إذا نظرنا إلى الخطاب البشري مهما بلغ مِن بلاغتِه وروعتِه، وبيانِه وفصاحتِه، فإنَّه لا يُعنَى بجميع الجوانب الإنسانية في ندائِه، مِن حيث مخاطَبتُه للعقل والعاطفة معًا، أو مخاطَبتِه للعامَّة والخاصَّة كذلك، بل إنَّه ربَّما يُعنَى بِجانب على حساب جانب آخر، ولا يُقيم الميزانَ الحقَّ بيْنهما، ومِن ثمَّ فهو خطاب بشري يعتريه النقص والخطأ، ولا يصِل إلى ذروة الكمال أبدًا مهْما أوتي صاحبُه مِن الفصاحة والبيان.
والخطاب القرآني حينما نتدبَّر ونستقْرئ آياتِ القرآن، نرى أنَّه في نداءاته وتوجيهاته يتَّسِمُ بالشمول؛ حيث إنَّه لم يجعل نداءه إلى فئةٍ دون فئة، أو جنسٍ دون جنس، أو أهل دينٍ دون غيرهم.
بل شمل ذلك الخطابُ أصنافَ العالمين مِن المخاطَبِين على تنوُّع أجناسهم وألسنتهم وأديانهم التي يَدينون بها.
فقد خاطب اللهُ سبحانه النَّاسَ بصيغة العموم في بعض آيات القرآن، وخاطب الأنبياء والمرسلين عليهم السلام في بعض آخر، وخاطبَ أصنافَ النَّاس مِن المؤمنين والكفَّار والمشركين، وأشار إلى المنافقين في آيات أخرى، وهذا الأمر يُعْلَم بالتتبُّع والاستقراء لآيات القرآن الكريم.